وذكر الكسائي وجهًا آخر؛ فقال: هذه الآية متصلة بالتي قبلها؛ والمعنى: قال سليمان: {وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا} أن تؤتى العلم وأن تسلم عبادةُ غير الله وكفرها السابق. وإذا جعلنا (مَا) في محل النصب جعلنا الصد متعديًا إلى مفعولين، وليس يتعدى الصد إلى مفعولين إلا بواسطة حرف الجر، كما تقول: صددت زيدًا عن كذا، قال الله تعالى: {وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ} [الرعد: 33] ولكن يجوز أن تجعل الصد بمعنى: النفع، فيتعدى إلى مفعولين. أو يقال: التقدير: صدها عما كانت تعبد، فحذف الجار، كقوله: {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَه} [الأعراف: 155] .
44 -وقوله: {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ} الآية.
قد ذكرنا أن الشياطين قالت لسليمان: إن رجلها كحافر الحمار.
قال ابن عباس: وكان لسليمان ناصح من الشياطين، فقال له: كيف لي أن أرى قدمها من غير أن أسألها كشفه؟ فقال: أنا أهريق لك في هذا الصرح، يعني: القصر ماء، وأبلط فوق الماء بالزجاج، حتى تظن أنه ماء فترفع ثوبها فترى قدمها.
وقال المفسرون: أراد سليمان أن يعلم حقيقة ما قالت الجن، وينظر إلى قدمها وساقها، فهيئ له بيتٌ من قوارير فوق الماء، وأُرسل فيه السمك لتحسب أنه الماء، ووُضع سرير سليمان في صدر البيت، و {قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ} .
والصرح في اللغة معناه: القصر. قال ذلك أهل اللغة، والتفسير، وهو قول ابن عباس ومقاتل.
وقال أبو عبيد: كل بناء موثق من صخر أو غير ذلك فهو صرح،
وأنشد هو وغيره بيت أبي ذؤيب:
بهن نَعَام بناها الرجال ... تشبه أعلامهن الصروحا
قال أبو عبيدة: كل بناء بنيته من حجارة فهو: نَعَامة، والجماع: نَعَام.