قرأ أبو عمرو ونافع وحفص {آتاني الله} بياء مفتوحة وقرأ يعقوب بإثباتها في الوقف وحذفها في الوصل ، وقرأ الباقون بغير ياء في الوصل والوقف.
ثم إنه أضرب عن الإنكار المتقدّم ، فقال: {بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} توبيخاً لهم بفرحهم بهذه الهدية فرح فخر وخيلاء ، وأما أنا فلا أفرح بها ، وليست الدنيا من حاجتي ، لأن الله سبحانه قد أعطاني منها ما لم يعطه أحداً من العالمين ، ومع ذلك أكرمني بالنبوّة.
والمراد بهذا الإضراب من سليمان بيان السبب الحامل لهم على الهدية مع الإزراء بهم ، والحط عليهم.
{ارجع إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا} أي قال سليمان للرسول: ارجع إليهم أي إلى بلقيس وقومها ، خاطب المفرد ها هنا بعد خطابه للجماعة فيما قبل ، إما لأن الذي سيرجع هو الرسول فقط ، أو خص أمير الرسل بالخطاب هنا وخاطبهم معه فيما سبق افتناناً في الكلام.
وقرأ عبد الله بن عباس:"ارجعوا"، وقيل: إن الضمير يرجع إلى الهدهد ، واللام في"لنأتيهم"جواب قسم محذوف.
قال النحاس: وسمعت ابن كيسان يقول: هي لام توكيد ولام أمر ولام خفض ، وهذا قول الحذاق من النحويين ؛ لأنهم يردّون الشيء إلى أصله ، وهذا لا يتهيأ إلاّ لمن درب في العربية ، ومعنى {لاَّ قِبَلَ لَهُمْ} : لا طاقة لهم بها ، والجملة في محل جرّ صفة لجنود {وَلَنُخْرِجَنَّهُم} معطوف على جواب القسم ، أي لنخرجنهم من أرضهم التي هم فيها {أَذِلَّةٍ} أي حال كونهم أذلة بعد ما كانوا أعزّة ، وجملة: {وَهُمْ صاغرون} في محل نصب على الحال ، قيل: وهي حال مؤكدة ؛ لأن الصغار هو الذلة ، وقيل: إن المراد بالصغار هنا: الأسر ، والاستعباد ، وقيل: إن الصغار الإهانة التي تسبب عنها الذلة.