ولما رجع الرسول إلى بلقيس تجهزت للمسير إلى سليمان ، وأخبر جبريل سليمان بذلك ، فقال سليمان: {يا أَيُّهَا الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} أي عرش بلقيس الذي تقدّم وصفه بالعظم {قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} أي قبل أن تأتيني هي وقومها مسلمين.
قيل: إنما أراد سليمان أخذ عرشها قبل أن يصلوا إليه ويسلموا ؛ لأنها إذا أسلمت وأسلم قومها لم يحلّ أخذ أموالهم بغير رضاهم.
قال ابن عطية: وظاهر الروايات أن هذه المقالة من سليمان هي بعد مجيء هديتها وردّه إياها وبعثه الهدهد بالكتاب ، وعلى هذا جمهور المتأوّلين.
وقيل: استدعاء العرش قبل وصولها ؛ ليريها القدرة التي هي من عند الله ويجعله دليلاً على نبوّته ، وقيل: أراد أن يختبر عقلها ، ولهذا قَال: {نَكّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا} .... إلخ ، وقيل: أراد أن يختبر صدق الهدهد في وصفه للعرش بالعظم ، والقول الأوّل هو الذي عليه الأكثر.
{قَالَ عِفْرِيتٌ مّن الجن أَنَاْ ءَاتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ} قرأ الجمهور بكسر العين وسكون الفاء وكسر الراء وسكون المثناة التحتية وبالتاء ، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي وابن السميفع ، وأبو السمال:"عفريه"بفتح التحتية بعدها تاء تأنيث منقلبة هاء رويت هذه القراءة عن أبي بكر الصديق.
وقرأ أبو حيان بفتح العين.
والعفريت: المارد الغليظ الشديد.
قال النحاس: يقال للشديد إذا كان معه خبث ودهاء: عفر وعفريه وعفريت.
وقال قتادة: هو الداهية ، وقيل: هو رئيس الجنّ.
قال ابن عطية: وقرأت فرقة:"عفر"بكسر العين جمعه على عفار ، ومما ورد من أشعار العرب مطابقاً لقراءة الجمهور ما أنشده الكسائي:
فقال شيطان لهم عفريت... ما لكم مكث ولا تبييت
ومما ورد على القراءة الثانية قول ذي الرمة:
كأنه كوكب في إثر عفرية... مصوّب في سواد الليل منقضب