ثم لما قدّمت لهم هذه المقدّمة ، وبيّنت لهم ما في دخول الملوك إلى أرضهم من المفسدة ، أوضحت لهم وجه الرأي عندها ، وصرحت لهم بصوابه ، فقالت: {وَإِنّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ} أي إني أجرّب هذا الرجل بإرسال رسلي إليه بهدية مشتملة على نفائس الأموال ، فإن كان ملكاً أرضيناه بذلك وكفينا أمره ، وإن كان نبياً لم يرضه ذلك ، لأن غاية مطلبه ومنتهى أربه هو الدعاء إلى الدين ، فلا ينجينا منه إلاّ إجابته ومتابعته والتدين بدينه وسلوك طريقته ؛ ولهذا قالت: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المرسلون} الفاء للعطف على مرسلة ، و {بم} متعلق ب {يرجع} ، والمعنى: إني ناظرة فيما يرجع به رسلي المرسلون بالهدية من قبول أو ردّ فعاملة بما يقتضيه ذلك ، وقد طوّل المفسرون في ذكر هذه الهدية ، وسيأتي في آخر البحث بيان ما هو أقرب ما قيل إلى الصواب والصحة.
{فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ} أي فلما جاء رسولها المرسل بالهدية سليمان ، والمراد بهذا المضمر: الجنس ، فلا ينافي كونهم جماعة كما يدل عليه قولها: {بم يرجع المرسلون} وقرأ عبد الله"فلما جاؤوا سليمان"أي الرسل ، وجملة {قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ} مستأنفة جواب سؤال مقدّر ، والاستفهام للاستنكار أي قال منكراً لإمدادهم له بالمال مع علوّ سلطانه وكثرة ماله.
وقرأ حمزة بإدغام نون الإعراب في نون الوقاية ، والباقون بنونين من غير إدغام ، وأما الياء ، فإن نافعاً وأبا عمرو وحمزة يثبتونها وصلاً ويحذفونها وقفاً ، وابن كثير يثبتها في الحالين ، والباقون يحذفونها في الحالين.
وروي عن نافع أنه يقرأ بنون واحدة {فَمَا ءاتاني الله خَيْرٌ مّمَّا ءاتاكم} أي ما آتاني من النبوّة والملك العظيم والأموال الكثيرة خير مما آتاكم من المال الذي هذه الهدية من جملته.