ثم فوّضوا الأمر إليها لعلمهم بصحة رأيها ، وقوّة عقلها فقالوا: {والأمر إِلَيْكِ} أي موكول إلى رأيك ونظرك {فانظري مَاذَا تَأْمُرِينَ} أي تأملي ماذا تأمرينا به فنحن سامعون لأمرك مطيعون له فلما سمعت تفويضهم الأمر إليها {قَالَتْ إِنَّ الملوك إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا} أي إذا دخلوا قرية من القرى خرّبوا مبانيها ، وغيروا معانيها ، وأتلفوا أموالها ، وفرّقوا شمل أهلها {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} أي أهانوا أشرافها ، وحطوا مراتبهم ، فصاروا عند ذلك أذلة ، وإنما يفعلون ذلك لأجل أن يتمّ لهم الملك ، وتستحكم لهم الوطأة ، وتتقرّر لهم في قلوبهم المهابة.
قال الزجاج: أي إذا دخلوها عنوة عن قتال وغلبة ، والمقصود من قولها هذا تحذير قومها من مسير سليمان إليهم ، ودخوله بلادهم ، وقد صدقها الله سبحانه فيما قالت ، فقال سبحانه: {وكذلك يَفْعَلُونَ} أي مثل ذلك الفعل يفعلون.
قال ابن الأنباري: الوقف على قوله: {وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً} وقف تام ، فقال الله عزّ وجلّ تحقيقاً لقولها {وكذلك يَفْعَلُونَ} ، وقيل: هذه الجملة من تمام كلامها ، فتكون من جملة مقول قولها ، وعلى القول الأوّل تكون هذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.