وقوله: {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} قال محمد بن إسحاق: قال له آصف: تمد عينيك، فلا ينتهي إليك طرفك إلى مداه حتى أُمثِّلَه بين يديك. ثم قال: امدد عينيك حتى ينتهي طرفك، فمد سليمان عينيه ينظر نحو اليمن، ودعا آصف فانخرق العرش مكانه الذي هو فيه، ثم نبع بين يدي سليمان.
ونحو هذا روى عكرمة عن ابن عباس، في كيفية حصول العرش عند سليمان؛ قال: لم يخر عرش صاحبة سبأ بين السماء والأرض، ولكنه انشقت به الأرض، فجرى تحت الأرض حتى ظهر بين يدي سليمان.
وقال ابن سابط: دخل السرير فصار له نفق في الأرض حتى نبع بين يدي سليمان.
وقال مجاهد: خرج العرش من نفق في الأرض.
وقال الكلبي: خر آصف ساجدًا ودعا باسمه الأعظم، فعاد عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان.
وقال مقاتل: احتمل السرير احتمالًا فوضع بين يدي سليمان. هذا قول المفسرين.
وقال أهل المعاني: الله عز وجل قادر على ذلك بأن يُعدمه من حيث كان، ثم يوجده، حيث كان سليمان بلا فصلٍ، بدعاء {الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ} . وتفسير ذلك العلم: هو اسم الله الأعظم على ما ذكرنا عن المفسرين. واختلفوا في ذلك الاسم، فقال مجاهد ومقاتل: يا ذا الجلال والإكرام.
وقال شعيب بن حرب: قال الذي جاء بعرشها: إلهنا وإله كل شيء إلهًا واحداً لا إله إلا أنت أئت به؛ فإذا هو مستقر عنده. ونحو هذا قال الزهري.
وروت عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الاسم الذي دعا به آصف: يا حي يا قيوم. وهو قول الكلبي.
وأما تفسير قوله: {قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} فقد ذكرنا فيه قول محمد ابن إسحاق؛ وهو انتهاء طرفه إلى مداه، وهذا ضد الارتداد وإنما يصح تفسيره بتقدير محذوف في الآية؛ كأنه: قبل أن يرتد إليك طرفك بعد الانتهاء، فحذف ذكر الانتهاء؛ لأن الارتداد يدل عليه، وذلك أنه لا يرتد إليه طرفه إلا بعد مده إياه، حتى ينتهي طرفه ثم يعود إليه.