وَقَوْلُهُ: {فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًا عِنْدَهُ}
يَقُولُ: فَلَمَّا رَأَى سُلَيْمَانُ عَرْشَ مَلِكَةِ سَبَأَ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ. وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ظَهْرَ عَمَّا تَرَكَ، وَهُوَ: فَدَعَا اللَّهَ، فَأَتَى بِهِ؛ فَلَمَّا رَآهُ سُلَيْمَانُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ.
وَذُكِرَ أَنَّ الْعَالِمَ دَعَا اللَّهَ، فَغَارَ الْعَرْشُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ بِهِ، ثُمَّ نَبَعَ مِنْ تَحْتِ الْأَرْضِ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمَانَ [1] .
عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّ آصَفَ بْنَ بَرْخَيَا تَوَضَّأَ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، امْدُدْ عَيْنَكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ طَرْفُكَ، فَمَدَّ سُلَيْمَانُ عَيْنَهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، وَدَعَا آصَفُ فَانْخَرَقَ بِالْعَرْشِ مَكَانَهُ الَّذِي هُوَ فِيهِ، ثُمَّ نَبَعَ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمَانَ {فَلَمَّا رَآهُ} سُلَيْمَانُ {مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي} . . الْآيَةَ""
وَقَوْلُهُ: {قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي}
يَقُولُ: هَذَا الْبَصَرُ وَالتَّمَكُّنُ وَالْمُلْكُ وَالسُّلْطَانُ الَّذِي أَنَا فِيهِ حَتَّى حُمِلَ إِلَيَّ عَرْشُ هَذِهِ فِي قَدْرِ ارْتِدَادِ الطَّرْفِ مِنْ مَأْرِبَ إِلَى الشَّامِ، مِنْ فَضْلِ رَبِّي الَّذِي أَفْضَلَهُ عَلِيَّ وَعَطَائِهِ الَّذِي جَادَ بِهِ عَلَيَّ {لِيَبْلُوَنِي}
يَقُولُ: لِيَخْتَبِرَنِي وَيَمْتَحِنَنِي، أَأَشْكُرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيَّ، أَمْ أَكْفُرَ نِعْمَتَهُ عَلَيَّ بِتَرْكِ الشُّكْرِ لَهُ؟
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَاهُ: أَأَشْكُرُ عَلَى عَرْشِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ إِذْ أُتِيتُ بِهِ، أَمْ أَكْفُرُ إِذْ رَأَيْتُ مَنْ هُوَ دُونِي فِي الدُّنْيَا أَعْلَمَ مِنِّي؟
وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ}
يَقُولُ: وَمَنْ شَكَرَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفَضْلَهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّمَا يَشْكُرُ طَلَبَ نَفْعِ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَنْفَعُ بِذَلِكَ غَيْرَ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلَّهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَإِنَّمَا دَعَاهُمْ إِلَى شُكْرِهِ تَعْرِيضًا مِنْهُ لَهُمْ لِلنَّفْعِ، لَا لِاجْتِلَابٍ مِنْهُ بِشُكْرِهِمْ إِيَّاهُ نَفْعًا إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا دَفْعَ ضُرٍّ عَنْهَا.
{وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}
يَقُولُ: وَمَنْ كَفَرَ نِعَمَهُ وَإِحْسَانَهُ إِلَيْهِ، وَفَضْلَهُ عَلَيْهِ لِنَفْسِهِ ظَلَمَ، وَحَظَّهَا بَخَسَ، وَاللَّهُ غَنِيُّ عَنْ شُكْرِهِ، لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْهِ، لَا يَضُرُّهُ كُفْرَ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، كَرِيمٌ، وَمِنْ كَرَمِهِ إِفْضَالُهُ عَلَى مَنْ يَكْفُرُ نِعَمَهُ، وَيَجْعَلُهَا وَصِلَةً يَتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى مَعَاصِيهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 18/}
[1] يقول ابن القماش:
يفتقر إلى سند صحيح، فإن صح به خبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلنا به، وإلا فالأَولى تفويض العلم في حقيقة ذلك إلى علام الغيوب جل جلاله، والله أعلم.