وقَد عظُم شأن الكتابة في دول الإسلام ، قال الحريري في"المقامة الثانية والعشرين":"والمنشىءُ جهنية الأخبار ، وحقيبة الأسرار ، وقلمه لسان الدولة ، وفارس الجَولة..."
"إلخ."
واتخذ للمراسلة وسيلة الطير الزاجل من حَمام ونحوه ، فالهدهد من فصيلة الحَمام وهو قابل للتدجين ، فقوله: {اذهب بكتابي هذا} يقتضي كلاماً محذوفاً وهو أن سليمان فكر في الاتصال بين مملكته وبين مملكة سبأ فأحضر كتاباً وحمَّله الهدهد.
وتقدم القول على (ماذا) عند قوله تعالى: {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم} في سورة النحل (24) .
وفعل {انظر} معلق عن العمل بالاستفهام.
والإلقاء: الرمي إلى الأرض.
وتقدم في قوله تعالى: {وألقُوه في غيابات الجب} في سورة يوسف (10) وهو هنا مستعمل إمّا في حقيقته إن كان شأن الهدهد أن يصل إلى المكان فيرميَ الكتاب من منقاره ، وإما في مجازه إن كان يدخل المكان المرسل إليه فيتناول أصحابه الرسالة من رجله التي تربط فيها الرسالة فيكون الإلقاء مثل قوله: {فألْقَوا إليهم القول إنكم لكاذبون} في سورة النحل (86) .
والمراد بالرَّجع: رَجع الجواب عن الكتاب ، أي من قبول أو رفض.
وهذا كقوله الآتي: {فانظري ماذا تأمرين} [النمل: 33] .
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
طويت أخبار كثيرة دل عليها ما بين الخبرين المذكورين من اقتضاء عدة أحداث ، إذ التقدير: فذهب الهدهد إلى سبأ فرمى بالكتاب فأبلغ الكتاب إلى الملكة وهي في مجلس ملكها فقرأته ، قالت: يا أيها الملأ إلخ.
وجملة: {قالت} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن غرابة قصة إلقاء الكتاب إليها يثير سؤالاً عن شأنها حين بلَغها الكتاب.
و {الملأ} : الجماعة من أشراف القوم وهم أهل مجلسها.
وظاهر قولها: {ألقي إليّ} أن الكتاب سُلّم إليها دون حُضور أهل مجلسها.