وتقدم غير مرة وذلك أن يكون نظام بَلاطها أن تسلم الرسائل إليها رأساً.
والإلقاء تقدم آنفاً.
ووصف الكتاب بالكريم ينصرف إلى نفاسته في جنسه كما تقدم عند قوله تعالى: {لهم مغفِرَة ورزق كريم} في سورة الأنفال (74) ؛ بأن كان نفيسَ الصحيفة نفيسَ التخطيط بهيجَ الشكل مستوفياً كل ما جرت عادة أمثالهم بالتأنق فيه.
ومن ذلك أن يكون مختوماً ، وقد قيل: كرم الكتاب ختمه ، ليكون ما في ضمنه خاصاً باطلاع من أُرسل إليه وهو يُطلع عليه من يشاء ويكتمه عمن يشاء.
قال ابن العربي:"الوصف بالكرم في الكتاب غاية الوصف ؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {إنه لقرآن كريم} [الواقعة: 77] وأهل الزمان يصفون الكِتاب بالخَطير ، والأثير ، والمبرور ، فإن كان لملك قالوا: العزيز ، وأسقطوا الكريم غفلة وهو أفضلها خصلة".
وأما ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني فلم يكن محموداً عندها لأنها قالت: {إن الملوك إذا دَخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة} [النمل: 34] .
ثم قصَّت عليهم الكتاب حين قالت: {إنه من سليمان وإنه} إلى آخره.
فيحتمل أن يكون قد تُرجم لها قبل أن تخرج إلى مجلس مشُورتها ، ويحتمل أن تكون عارفة بالعبرانية ، ويحتمل أن يكون الكتاب مكتوباً بالعربية القحطانية ، فإن عظمة ملك سليمان لا تخلو من كتَّاب عارفين بلغات الأمم المجاورة لمملكته ، وكونه بلغته أظهر وأنسب بشعار الملوك ، وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم للملوك باللغة العربية.
أما الكلام المذكور في هذه الآية فهو ترجمة الكتاب إلى اللغة العربية الفصحى بتضمين دقائقه وخصوصيات اللغة التي أنشئ بها.
وقوله: {إنه من سليمان} هو من كلام الملكة ابتدأت به مخاطَبة أهل مشُورتها لإيقاظ أفهامهم إلى التدبر في مغزاه لأن اللائق بسليمان أن لا يقدِّم في كتابه شيئاً قبل اسم الله تعالى ، وأن معرفة اسم سليمان تؤخذ من ختمه وهو خارج الكتاب فلذلك ابتدأت به أيضاً.