وعن بعضهم أضيق السجون معاشرة الأضداد.
أو بإبداعه القفص أو بطرحه بين يدي النمل ليأكله.
وحل له تعذيب الهدهد لما رأى فيه من المصلحة كما حل ذبح البهائم والطيور للأكل وغيره من المنافع ، وإذا سخر له الطير لم يتم التسخير إلا بالتأديب والسياسة {أو لأذبحنّه أو ليأتينّي} بالنون الثقيلة ليشاكل قوله {لأعذبنه} وحذف نون العماد للتخفيف.
{ليأتيني} بنونين: مكي الأول للتأكيد والثاني للعماد {بسلطانٍ مّبينٍ} بحجة له فيها عذر ظاهر على غيبته.
والإشكال أنه حلف على أحد ثلاثة أشياء: اثنان منها فعله ولا مقال فيه ، والثالث فعل الهدهد وهو مشكل لأنه من أين درى أنه يأتي بسلطان حتى قال: والله ليأتيني بسلطان؟ وجوابه أن معنى كلامه ليكونن أحد الأمور يعني إن كان الإتيان بالسلطان لم يكن تعذيب ولا ذبح ، وإن لم يكن كان أحدهما وليس في هذا دعاء دراية
{فمكث} الهدهد بعد تفقد سليمان إياه ، وبضم الكاف غيره عاصم وسهل ويعقوب ، وهما لغتان
{غير بعيدٍ} أي مكثاً غير طويل أو غير زمان بعيد كقوله"عن قريب"ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفاً من سليمان.
فلما رجع سأله عما لقي في غيبته {فقال أحطت} علماً شيئاً من جميع جهاته {بما لم تحط به} ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام مع ما أوتي من فضل النبوة والعلوم الجمة ابتلاء له في علمه ، وفيه دليل بطلان قول الرافضة أن الإمام لا يخفى عليه شيء ولا يكون في زمانه أحد أعلم منه {وجئتك من سبإٍ} غير منصرف.
أبو عمرو جعله اسماً للقبيلة أو المدينة وغيره بالتنوين جعله اسماً للحي أو الأب الأكبر {بنبإٍ يقينٍ} النبأ الخبر الذي له شأن ، وقوله من {سبأ بنبإٍ} من محاسن الكلام ويسمى البديع وقد حسن وبدع لفظاً ومعنى هاهنا ألا ترى أنه لو وضع مكان {بنبإ} بخبر لكان المعنى صحيحاً وهو كما جاء أصح لما في النبإ من الزيادة التي يطابقها وصف الحال.