وقد نبه الله على جلال المقام، وتنزهه - تعالى - عن الحلول وعن صفات البشر، بأَن ختم الآية بقوله - سبحانه وتعالى: {وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
والنار التي رآها موسى - عليه السلام - لم تكن نارًا حقيقية، فقد كانت نورًا كما روى عن ابن عباس: (لم تكن نارًا، إنما كانت نورًا يتوهج) ، وهذا النور من نور الله تعالى - كما روى عنه.
ونقل القرطبي عن ابن عباس والحسن أَن المعنى: قدس من في النار وهو الله - سبحانه وتعالى - عنى به نفسه تقدس وتعالى، ثم عقبه بقوله: قال ابن عباس ومحمد بن كعب:
النار: نور الله - عَزَّ وَجَلَّ - نادى الله موسى، وهو في النور - قال القرطبي - وتأويل ذلك: أَن موسى - عليه السلام - رأَى نورًا عظيمًا فظنه نارًا، وهذا لأَن الله - تعالى - ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار، لا أَنه يتحيز في جهة، ومثله كمثل قوله - تعالى: {وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} فإنه - سبحانه وتعالى - لا يتحيز فيهما، ولكن يظهر في كل فعل فيعلم به الفاعل، وعلى هذا يكون {بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ} بمعنى قُدِّسَ مَنْ فِي النار سلطانه وقدرته وكلامه: انتهى بتصرف يسير.
ثم نقل القرطبى عن سعيد بن جبير كلامًا يشبه كلام ابن عباس وابن كعب، إِذ قال: كانت النار بعينها فأَسمعه الله كلامه من ناحيتها، وأظهر له ربوبيته من جهتها، قال القرطبي: وهو كما روى أنه مكتوب في التوراة: (جاءَ الله من سيناءَ وأَشرف من ساعير، واستعلى من جبال فاران) فمجيئه من سيناء بَعْثُه موسى، وإِشرافه من ساعير بَعْثُه المسيح منها، واستعلاؤه من فاران بَعْثُهُ محمدًا - صلى الله عليه وسلم - وفاران (مكة) وسيأتي في القصص زيادة بيان في سماع الله كلامه موسى: انتهى بتصرف يسير.
وإليكم تفسير الآية على أَن منْ في النار ومَنْ حولها هو موسى والملائكة فما يلي: