كان موسى عليه السلام - قد خرج من مصر حين علم أَن الملأ من قومها يأتمرون به ليقتلوه قصاصًا منه لقتله القبطي الذي اعتدى على رجل من بني إِسرائيل، فخرج إِلى سيناء وانتهى في رحلته إلى مدين، حيث عمل أَجيرًا عند شعيب في مقابل تزويجه إِحدى ابنتيه، فلما قضى المدة المتفق عليها، حنَّ للرجوع إِلى مصر ومعه أهله، فسار بأَهله فأَدركها المخاض عند الطور، فوضعت في ليلة شاتية باردة، وكان قد حاد عن الطريق لأمر شاءَه الله - تعالى - وقد أصبح بحاجة إِلى أمرين: أحدهما: أَن يوقد نارًا ليستدفئ بها أَهله، وثانيهما: أَن يهتدي إِلى الطريق الموصل إِلى مصر بعد أَن حاد عنه، وقد أدركته عناية الله وهو في حيرته هذه، حيث أظهر له نارًا على بعد قليل من الطور كما قال - تعالى - في سورة القصص: {فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا} .
وحينئذ قال لأهله: إني أبصرت نارًا سأتيكم منها بخبر عن الطريق الذي نصل منه إِلى مصر بسؤال من أوقدوا هذه النار، أَو آتيكم بشعلة مقتبسة ومأْخوذة من هذه النار التي أراها، لعلكم بهذه الشعلة المقبوسة تستدفئون إذا جعلتها داخل حطب وأوقدته بها.
وإِدخال السين على الفعل في قوله:"سآتيكم"لتأْكيد الوعد وتحقيقه - كما قال الزمخشرى - ولإِفادة مجيئه عن قرب حتى لا يستوحش أَهله لتركه إِياهم في هذا المكان.
8 - {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} :
في الكلام مضاف مقدر، أَي: فلما جاءَها بورك مَن في مكان النار ومَنْ حول مكانها، والمراد من مكان النار: البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ} والمراد ممن في بقعة النار ومن حولها: كل من في هذا الوادى وحواليه من أَرض الشام التي باركها الله بمبعث الأَنبياء ودفنهم بها، ولا سيما تلك البقعة التي كلم الله فيها موسى - عليه السلام - وقيل: من في بقعة النار: موسى - عليه السلام - ومن حولها: الملائكة، وقيل: العكس.