فلما وصل موسى إِلى النار التي رآها وهو بجانب الطور، نودى نداءً إلهيًّا منبعثًا من الشجرة بأَنه بورك موسى الذي في بقعة النار، وبورك مَنْ حولها من الملائكة، وقيل لموسى: سبحان الله رب العالمين، تنزيهًا له - تعالى - عن أَنْ يشبهه شيءٌ من مخلوقاته، أَو يحيط به شيء من مصنوعاته فلا تكتنفه أرض ولا سماء، ولما وقف موسى مبهورًا متعجبًا من صدور الكلام عن النار، أَعلمه الله أَنه - سبحانه - هو المتكلم فقال:
9 - {يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} :
الضمير في"إنَّهُ"للشأْن، والعزيز الحكيم وصفان للفظ الجلالة، ممهدان لما أُريد إِظهاره على يد موسى - عليه السلام - من المعجزة.
والمعنى: يا موسى إِن الأمر والشأْن أَنا الله القوى القادر على ما لَا يقدر عليه غيرى من الأمور العظام التي من جملتها ما سوف أُوْيدك به من المعجزات، الحكيم الذي تصدر أَحكامه وأَفعاله بغاية الإحكام والسداد.
{وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14) }
المفردات:
{تَهْتَزُّ} : تتحرك باضطراب. {كَأَنَّهَا جَانٌّ} : الحية الخفيفة السريعة.
{وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ} : انصرف راجعًا إِلى الخلف ولم يَعُدْ، من: عَقَّب المقاتل، إذا كَرَّ بعد الفرار. {جَيْبِكَ} : الجيب؛ فتحة القميص من أَعلاه إِلى الصدر، ليدخل منه الرأْس، واستعماله في الفتحة التي يوضع فيها كيس الدراهم ونحوه مُوَلَّدٌ.