وفي قوله {وسبحان الله رب العالمين} تنزيه له عما لا يليق بذاته من الحدوث والحلول ونحوهما مما هو من خواص المحدثات، وتنبيه على أن الكائن من جلائل الأمور التي لا يقدر عليها إلا رب العالمين. والهاء في {إنه} إما للشأن وإما راجع إلى ما دل عليه سياق الكلام أي أن المتكلم {انا} وعلى هذا فالله مع وصفيه بيان لانا وفيه تلويح إلى ما أراد إظهاره عليه، يريد أنا القادر القوي على إظهار الخوارق الحكيم الذي لا يفعل جزافاً ولا عبثاً. وقوله {وألق عصاك} معطوف على {بورك} وكلاهما تفسير {نودي} والمعنى: قيل له بورك وألق: ومعنى {لم يعقب} لم يرجع يقال: عقب المقاتل إذا كر بعد الفر. وإنما اقتصر ههنا على قوله {لا تخف} ولم يضف إليه أقبل كما في"القصص"لأنه أراد أن يبني عليه قوله {إني لا يخاف لدي المرسلون} وسبب نفي الخوف عن الرسل مشاهدة مزيد فضل الله وعنايته في حقهم. ثم استثنى من ظلم منهم بترك ما هو أولى به، وقد مر بحث عصمة الأنبياء في أول"البقرة". وفي الآية لطائف وإشارات منها: أنه أشار بقوله {أني لا يخاف لديّ المرسلون} إلى أن موسى قد جعل رسولاً. ومنها أنه أشار بقوله {إلا من ظلم} إلى ما وجد من موسى في حق القبطي، وبقوله {ثم بدل حسناً بعد سوء} أي توبة بعد ذنب إلى قول موسى {رب إن يظلمت نفسي فاغفر لي} [القصص: 16] وقرئ"الا"بحرف التنبيه. ومنها أنه أشار بقوله {ثم بدل} معطوفاً على {ظلم} إلى أن النبي المرسل بدّل النية ولم يصر على فعله وإلا كان هذا العطف مقطوعاً عن الكلام ضائعاً، فإنه إذا ظلم ولم يبدل كان خائفاً أيضاً. ومنها أنه أشار بقوله {فإني غفور رحيم} إلى أن الخوف وإن لحق المستثنى إلا أنه منفي عنه أيضاً بسبب غفرانه ورحمته، فنفي الخوف ثابت على كل حال فهذا الاستثناء قريب من تأكيد المدح بما يشبه الذم كقوله:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر. .. وكقوله