جاء هنا النداء على حقيقته بأداة ومنادى {إِنَّهُ أَنَا الله} [النمل: 9] هذا هو الأصل ، وما دُمْتُ أن الله فلا تتعجَّب مما ترى ، وساعةَ تسمع مَنْ يكلِّمك دون أن ترى متكلماً من جنسك ، فلا تتعجب ولا تندهش .
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)
ونلحظ أن هنا تفاصيلَ وأحداث لم تذكرها الآية هنا ، وذُكِرَت في موضع آخر في قوله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا موسى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 1718] .
والأدب يقتضي أن يأتي الجواب على قَدْر السؤال ، لكن موسى عليه السلام أراد أنْ يطيل أمد الأُنْس بالله والبقاء في حضرته تعالى ، ولما أحسَّ موسى أنه أطال في هذا المقام أجمل ، فقال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 18] فللعصا مهام أخرى كثيرة في حياته .
وهنا يقول سبحانه: {وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل: 10] يعني: إنْ كانت العصا بالنسبة لك بهذه البساطة ، وهذه مهمتها عندك فلها عندي مهمة أخرى ، فانظر إلى مهمتها عندي ، وإلى ما لا تعرفه عنها .
{وَأَلْقِ عَصَاكَ} [النمل: 10] فلمّا ألقى موسى عصاه وجدها {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} [النمل: 10] يعني: حية تسعى وتتحرك ، والعجيب أنها لم تتحول إلى شيء من جنسها ، فالعصا عود من خشب ، كان فرعاً في شجرة ، فجنسه النبات ولما قُطعت وجفَّتْ صارت جماداً ، فلو عادت إلى النباتية يعني: إلى الجنس القريب منها واخضرتْ لكانت عجيبة .
أمّا الحق تبارك وتعالى فقد نقلها إلى جنس آخر إلى الحيوانية ، وهذه قفزة كبيرة تدعو إلى الدهشة بل والخوف ، خاصة وهي {تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ} [النمل: 10] أي: تتحرك حركة سريعة هنا وهناك .