ففي مثل هذا الموقف إياك أنْ تقول: كيف ، بل نزِّه الله عن تصرفاتك أنت ، فهذا عجيب لا يُتصوَّر بالنسبة لك ، أمّا عند الله فأمر يسير .
وقد رأينا مثل هذه المعجزة في قصة إبراهيم عليه السلام حين نجَّاه ربه من النار ، ولم يكُنْ المقصود من هذه الحادثة نجاة إبراهيم فقط ، فلو أن الله أراد نجاته فحسب لَمَا أمكنهم منه ، أو لأطفأ النار التي أوقدوها بسحابة ممطرة ، أسباب كثيرة كانت مُمكِنة لنجاة سيدنا إبراهيم .
لكن الله تعالى أرادهم أنْ يُمسِكوا به ، وأنْ يُلْقوه في النار ، وهي على حال اشتعالها وتوهّجها ، ثم يُلْقونه في النار بأنفسهم ، وهم يروْنَ هذا كله عَيَاناً ، ثم لا تؤذيه النار ، كأنه يقول لهم: أنا أريد أن أنجيه من النار ، رغم قوة أسبابكم في إحراقه ، فأنا خالق النار ومعطيها خاصية الإحراق ، وهي مُؤتمرةٌ بأمري أقول لها: كُونِي بَرْداً وسلاماً تكون ، فالمسألة ليست ناموساً وقاعدة تحكم الكون ، إنماَ هي قيوميتي على خَلْقي .
إذن: ما رآه موسى عليه السلام من النار التي تشتعل في خضرة الشجرة أمر عجيب عندكم ، وليس عجيباً عند مَنْ له طلاقة القدرة التي تخرق النواميس .
وبناء الفعل {بُورِكَ} [النمل: 8] للمجهول تعني: أن الله تعالى هو الذي يبارك ، فهذه مسألة لا يقدر عليها إلا الله {مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا} [النمل: 8] يجوز أن يكون الملائكة ، أو: بُورِكت الشجرة ذاتها لأنها لا تُحرق ، أو النار لأنها لا تنطفئ فهي مُباركة .
وفي موضع آخر يُوسِّع دائرة البركة ، فيقول سبحانه: {فِي البقعة المباركة مِنَ الشجرة} [القصص: 30] .
ثم يخاطب الحق سبحانه موسى: {يا موسى إِنَّهُ أَنَا الله}