وإرداف اسم الجلالة بوصف {رب العالمين} فيه معنى التعليل للتنزيه عن شؤون المحدثات لأنه رب العالمين فلا يشبه شأنه تعالى شؤونهم.
وضمير {إنه} ضمير الشأن ، وجملة: {أنا الله العزيز الحكيم} خبر عن ضمير الشأن.
والمعنى: إعلامه بأن أمراً مهماً يجب علمه وهو أن الله عزيز حكيم ، أي لا يغلبه شيء ، لا يستصعب عليه تكوين.
وتقديم هذا بين يدي ما سيلقى إليه من الأمر لإحداث رِبَاطَة جأْش لموسى ليعلم أنه خلعت عليه النبوءة إذ ألقي إليه الوحي ، ويعلم أنه سيتعرض إلى أذى وتألب عليه ، وذلك كناية عن كونه سيصير رسولاً ، وأن الله يؤيده وينصره على كل قوي ، وليعلمَ أن ما شاهد من النار وما تلقّاه من الوحي وما سيشاهده من قلب العصا حية ليس بعجيب في جانب حكمة الله تعالى ، فتلك ثلاث كنايات ، فلذلك أتبع هذا بقوله: {وألق عصاك} .
والمعنى: وقلنا ألق عصاك.
والاهتزاز: الاضطراب ، وهو افتعال من الهَزّ وهو الرفع كأنها تطاوع فعل هازَ يهزُّها.
والجانّ: ذَكَر الحيات ، وهو شديد الاهتزاز وجمعه جِنّان (وأما الجانّ بمعنى واحد الجن فاسم جمعه جنّ) .
والتشبيه في سرعة الاضطراب لأن الحيات خفيفة التحرك ، وأما تشبيه العصا بالثعبان في آية {فإذا هي ثعبان مبين} [الأعراف: 107] فذلك لضخامة الجرم.
والتولي: الرجوع عن السير في طريقه.
وفعل (تولى) مرادف فعل {ولّى} كما هو ظاهر صنيع"القاموس"وإن كان مقتضى ما في فعل (تولى) من زيادة المبنى أن يفيد (تولى) زيادة في معنى الفعل.
وقد قال تعالى: {ثم تولى إلى الظل} في سورة القصص (24) .
ولعل قصد إفادة قوة توليه لمّا رأى عصاه تهْتَزّ هو الداعي لتأكيد فعل {ولّى} بقوله: {مدبراً ولم يعقب} فتأمّل.
والإدبار: التوجه إلى جهة الخلف وهو ملازم للتولي فقوله: {مدبراً} حال لازمة لفعل {ولَّى} .