وقال الحسن وابن جريج: قال الله لموسى إني أخفتك لقتلك النفس.
قال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقَب.
قال الثعلبي والقشيري والماوردي وغيرهم: فالاستثناء على هذا صحيح ؛ أي إلا من ظلم نفسه من النبيين والمرسلين فيما فعل من صغيرة قبل النبوة.
وكان موسى خاف من قتل القبطي وتاب منه.
وقد قيل: إنهم بعد النبوة معصومون من الصغائر والكبائر.
وقد مضى هذا في"البقرة".
قلت: والأوّل أصح لتنصلهم من ذلك في القيامة كما في حديث الشفاعة ، وإذا أحدث المقرَّب حدثاً فهو وإن غفر له ذلك الحدث فأثر ذلك الحدث باق ، وما دام الأثر والتهمة قائمة فالخوف كائن لا خوف العقوبة ولكن خوف العظمة ، والمتهم عند السلطان يجد للتهمة حزازة تؤديه إلى أن يكدّر عليه صفاء الثقة.
وموسى عليه السلام قد كان منه الحدث في ذلك الفرعوني ، ثم استغفر وأقر بالظلم على نفسه ، ثم غفر له ، ثم قال بعد المغفرة: {رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} [القصص: 17] ثم ابتلي من الغد بالفرعوني الآخر وأراد أن يبطش به ، فصار حدثاً آخر بهذه الإرادة.
وإنما ابتلي من الغد لقوله: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ} وتلك كلمة اقتدار من قوله لن أفعل ، فعوقب بالإرادة حين أراد أن يبطش ولم يفعل ، فسلط عليه الإسرائيلي حتى أفشى سره ؛ لأن الإسرائيلي لما رآه تشمر للبطش ظن أنه يريده ، فأفشى عليه ف {قَالَ يا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس} [القصص: 19] فهرب الفرعوني وأخبر فرعون بما أفشى الإسرائيلي على موسى ، وكان القتيل بالأمس مكتوماً أمره لا يدري من قتله ، فلما علم فرعون بذلك ، وجّه في طلب موسى ليقتله ، واشتد الطلب وأخذوا مجامع الطرق ؛ جاء رجل يسعى ف {قَالَ يا موسى إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ} [القصص: 20] الآية.
فخرج كما أخبر الله.