عالمًا آخر في موضعه ذلك، ولم ينقله عن موضعه.
-السادس: تفتيته الجسد في التراب لأعين أهل الدنيا، وهو صحيح تام عند
أعين أهل الآخرة، وتنويمه الجسد عن الأكل والشرب والنكاح في موضع وإيقاظه
إياه، ويطعمه ويسقيه في موضع آخر.
فهذه ستة معارف هو مطلوبها الأكبر ومعتمدها الأعظم، ولتعلم - وفقنا الله
وإياك - أن لكل حق حقيقة، ولكل عين معنى، كما قد علمت أن لكل ظاهر باطنًا،
وأن الباطن متى انفصل عن ظاهره أبدل بحامل يقوم له في باطنيته مقام ظاهره
المفارق، ولنقتصر على هذا القدر من هذا الفن، ففيما ذكرنا دليل على ما عنه
أمسكنا.
ولعلمنا أن الضرورة تدفع إلى اختلاف ما هو بسبيله في أولى المواضع به،
ففي اختلاف العبارات وتغاير الألفاظ مع اتفاق الحقائق في معانيها. وفي اجتلابها
إلى مظانها وذكرها عند أشباهها مجال رحب للأفهام، وعون كبير على تعرف كل
خطاب (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ...) الآيتين؛ هذا خطاب
مرجوع معناه إلى قوله - جلَّ جلالُه -: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2) .
هم الذين نظروا في موجودات ما زمًه اللوح المحفوظ في السماوات والأرض،
والشجر والجبال والنبات إلى غير ذلك من عجائب آيات الله المنبئة عنه الشاهدة له.
يقول عز من قائل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) وهو دعاء عام للناس
أجمعين إلى عادة ربهم - جلَّ جلالُه - كما فطر جميع ما أوجده على فطرة الإسلام، كذلك
أمر جميع أهل العقول بالعبادة له والطاعة، ولا يكون الإيمان بالله وملائكته وكتبه
ورسله واليوم الآخر والعمل بطاعة الله، والتزام الخضوع له بشروط العبودية إلا
بمقدمة التقوى، لكنه قال هَاهُنَا جل قوله: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) معناه وهو
أعلم: لعلكم تبلغون بعبادتكم إياه، والعمل بطاعته واليقين به ذروة التقوى، وتنالون
منه المنزلة العلية، قد تقدم ذكر هذا.
يقول عز من قائل: فانظروا إلى السماء كيف بناها فأظلت، وإلى الأرض كيف