الدُّنْيَا من المعارف والطاعات، متفاوتة في اللذة بحسب [تفاوتها] ) أي تفسيرًا آخر. وهو أن
الْمُرَاد كما رزقوا قبل. هُوَ المعارف والطاعات التي يستلذ به أرباب العقول السليمة المتفاوتة
في اللذة لأن منهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ومنهم السابقون المقربون ومنهم أصحاب
اليمين. قوله بحسب [تفاوتها] أي المعارف والعبادات زيادة ونقصًا كيفًا أو كمًا إخلاصًا إشَارَة
إلى ذلك. فمستلذات أهل الجنة التي رزقوا بها فيها متفاوتة أَيْضًا، ففي كلامه إشَارَة إليه وإن
كان المقصود غيره فلا يلزم من ذلك تَخْصيص ذلك بالثمرات فإن سائر الإنعامات
والكرامات أَيْضًا من قبيل ثواب الطاعات. والمص طاب الله ثراه أَشَارَ إلَى ذلك بقوله إن
مستلذات أهل الجنة الخ. فإنها عام للثمرات وسائر الكرامات. ولقد غفل عن هذه الإشَارَة
العلية من اعترض عليه بأنه لا يساعده تَخْصيص ذلك بالثمرات.
قوله: (فيحتمل أن يكون الْمُرَاد من(هذا الذي رزقنا) أنه ثوابه) بتقدير
مضاف. والْمَعْنَى هذا المرزوق في الْآخرَة ثواب المرزوق في الدُّنْيَا، ومن غفل عن تقدير
مضاف أي ثوابه في فوق (الذي رزقنا) قال يأبى عنه قولهم (من قبل) لأن ذلك إنما هو
في الجنة لا في الدُّنْيَا مع أن المصنف صرح الْمُرَاد من (هذا الذي رزقنا) أنه ثوابه، فالمشار
إليه بهذا المرزوق في الجنة، والْمُرَاد بالموصول هُوَ المرزوق المعنوي في الدُّنْيَا فلما لم
يصح الحمل بأن المرزوق في الدُّنْيَا أعني المعارف هُوَ المرزوق في الْآخرَة وهو المستلذات
أَشَارَ إلَى دفعه بأن فيه مضافًا مَحْذُوفًا، ولو قيل إن بعض العلماء ذهب إلَى أن الْأَعْمَال
والمعارف تجسمت وتكون عين ما رزقوا في النشأة الأخرى، وإليه أشار من قال إن أرض
الجنة قيعان ينبت فيها ما ينبت من الْأَعْمَال انتهى. فـ [حِينَئِذٍ] يصح الحمد الْمَذْكُور بلا تقدير
مضاف لكان أتم بيانًا وأحسن سبكًا، وقد صرح البعض بما ذكرنا في قوله:(إنَّ الَّذينَ
يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونهمْ نَارًا)الآية.
قوله: (ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة) عطف عَلَى قوله من
هذا أي فيكون الْمُرَاد من تشابههما المشار إليه بقوله (وأتوا به مشابهًا) ما
هو الْمَعْنَى الحقيقي، كَمَا صَرَّحَ به في السؤال وهو تماثلهما في صفة الشرف وعلو الطبقة
فوجه الشبه بَيْنَهُمَا معنوي لا حسي، وإنَّمَا ذهب إلَى ذلك لأن الْأَعْمَال والمعارف في الدُّنْيَا
أعراض لا صورة لها. ووجه الشبه ما يشترك المشبهه والمشبه به فيه، والْمُرَاد بالطبقة في قوله
علو الطبقة الرتبة والمنزلة مسْتعَارَة من طبقات البيت، وأصل الطبق كون الشيء عَلَى مقدار
شيء آخر ومنه المطابقة، وعلم من تقرير المصنف أمران الأول أنه عَلَى هذا التَّفْسير معنى
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: فيحتمل أن يكون الْمُرَاد من (هذا الذي رزقنا) أنه ثوابه أقول: يأبى هذا الْمَعْنَى قولهم(من
قبل)لأن ذلك إنما هُوَ في الجنة لا في الدُّنْيَا اللهم إلا أن يتكلف ويقال الرزق المدلول عليه بقولهم
(رزقنا) مجاز في معنى الاستحقاق، ويكون الْمَعْنَى هذا الذي استحققاه من قبل، لكن ذلك خلاف الظاهر
قوله: ومن تشابههما تماثلهما في الشرف وإلا فلا تناسب بَيْنَهُمَا في الصورة؛ إذ لمعارف
والْأَعْمَال أعراض لا صور لها في الحس كصور الجواهر المحسوسة.