ما نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك فِي سورة التحريم {قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6] ولهذا عرّفت ههنا مشاراً بها إلى ما عرفوه ثمة أوّلاً، والمعنى: اتقوا ناراً ممتازة عن غيرها من النيران بأنها لا تتقّد إلا بالناس والحجارة، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه، أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها. ولعل لكفار الجن وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. والحجارة قيل: هي حجارة الكبريت. وقيل: هي ما نحتوها أصناماً
{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} [الأنبياء: 98] لأنهم لما اعتقدوا فيها أنها شفعاؤهم عند الله، وأنهم ينتفعون بها ويدفعون المضارّ عن أنفسهم، جعلها الله عذابهم إبلاغاً فِي إيلامهم وتوريثاً لنقيض مطلوبهم، ونحوه ما يفعله بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها فِي سبيل الله، أي يمنعون حقوقها حيث {يحمى عليها فِي نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم} [التوبة: 35] والتاء فِي الحجارة لتأكيد التأنيث فِي الجماعة نحو: صقورة. وقد يدور فِي الخلد من هذه الآية، ومن قوله {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة} [البقرة: 74] ومن قوله {نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة} [الهمزة: 6، 7] أن المراد بالحجارة هي الأفئدة أي وقودها الناس وقلوبهم. وتخصيص القلب بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وأولى بالإحراق إن كان مقصراً فِي درك ما خلق الإنسان لأجله. ومعنى أعدت هيئت وجعلت عدّة لعذابهم، وإنما فقد العاطف لأنها بدل من الصلة أو استئناف، كأنه قيل لمن أعدّت هذه النار؟ فقيل أعدت للكافرين. انتهى انتهى. {غرائب القرآن حـ 1 صـ 190 - 197}