36 -ثم ذكر ما أمرا به من تبليغ الرسالة مع بيان أن النصر لهما آخرًا على أعدائهما بقوله: {فَقُلْنَا} لهما {اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا} الإلهية؛ وهي مصنوعات الله تعالى الدالة على انفراده تعالى بالملك والعبادة، حيث عبدوا فرعون، فذهبا إليهم، فأرياهم الآيات التسع كلها؛ وهي آيات النبوة، فكذبوها حيث أنكروا رسالتهما كما كذبوا الآيات الإلهية {فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} ؛ أي: أهلكناهم عقب ذلك التكذيب إهلاكًا عجيبًا؛ أي: فقلنا لهما: اذهبا إلى فرعون وقومه الذين كذبوا بدلائل التوحيد المودعة في الأنفس والآفاق، فلما ذهبا إليهم كذبوهما، فأهلكناهم أشد إهلاك، ونحو الآية قوله: {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} وفي ذلك تسلية لرسوله، وإنه ليس أول من كذب من الرسل، فله أسوة بمن سلف منهم. قيل: المراد بالآيات هي المعجزات التسع المفصلات الظاهرة على يد موسى عليه السلام، ولم يوصف القوم عند إرسالهما إليهم بهذا الوصف ضرورة تأخر تكذيب الآيات عن إظهارها المتأخر عن الأمر به، بل إنما وصفوا بذلك عند الحكاية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيانًا لعلة استحقاقهم لما يحكى بعده من التدمير. وقيل: المراد: {بِآيَاتِنَا} التكوينية؛ أي: العلامات التي خلق الله في الدنيا، كما جرينا عليه في حلنا. وقيل: المراد بها الرسل وكتب الأنبياء الذين قبل موسى، كما في قوله: {وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ} فالباء على كل تقدير متعلقة بـ {كَذَّبُوا} لا بـ {اذْهَبَا} ، وإن كان الذهاب إليهم بالآيات، كما في قوله في الشعراء: {فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا} . وأما التكذيب فتارة يتعلق بالآيات، كما في قوله في الأعراف: {فَظَلَمُوا بِهَا} ؛ أي: بالآيات، وقوله في طه: {وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا} ، وتارة بموسى وهارون، كما في قوله في المؤمنون: {فَكَذَّبُوهُمَا} .