وفي التعبير تحرز وإنصاف، إذ يذكر «أَكْثَرَهُمْ» ولا يعمم، لأن قلة منهم كانت تجنح إلى الهدى، أو تقف عند الحقيقة تتدبرها. فأما الكثرة التي تتخذ من الهوى إلها مطاعا، والتي تتجاهل الدلائل وهي تطرق الأسماع والعقول، فهي كالأنعام. وما يفرق الإنسان من البهيمة إلا الاستعداد للتدبر والإدراك، والتكيف وفق ما يتدبر ويدرك من الحقائق عن بصيرة وقصد وإرادة واقتناع، ووقوف عند الحجة والاقتناع. بل إن الإنسان حين يتجرد من خصائصه هذه ليكونن أحط من البهيمة، لأن البهيمة تهتدى بما أودعها اللّه من استعداد، فتؤدي وظائفها أداء كاملا صحيحا. بينما يهمل الإنسان ما أودعه اللّه من خصائص، ولا ينتفع بها كما تنتفع البهيمة:
«إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» ..
وهكذا يعقب على استهزائهم برسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - ذلك التعقيب الذي يخرج المستهزئين من اطار الآدمية في عنف واحتقار ومهانة. انتهى انتهى. {الظلال حـ 5 صـ 2556 - 2567}