قال الليث: الرَّتَل، بفتح التاء: تنسيق الشيء. وثغر رَتِل، حسن المُتَنَضَّد. ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه. وهو يترتل في كلامه، ويترسل. فمعنى الترتيل في الكلام: أن يأتي به بعضُه في أثر بعض، على تؤدة، وتمهل؛ كما لثغر الرتَل، وهو: ضد المتراص. وهذا معنى قول مجاهد، في تفسير الترتيل: بعضه على أثر بعض.
قال المفسرون: وكان بين أول نزول القرآن، وآخره، نحو من: ثلاث وعشرين سنة. وإنما أنزلت التوراة جملة؛ لأنها نزلت مكتوبة، على نبي يكتب، ويقرأ، وأُنزل القرآن متفرقًا؛ لأنه أنزل على نبي أمي لا يكتب، ولا يقرأ، ولأن منه: الناسخ والمنسوخ، ومنه: ما هو جواب عن أمور سألوه عنها؛ فلذلك أُنزل متفرقًا.
33 -قوله تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} {وَلَا يَأْتُونَكَ} يعني: المشركين {بِمَثَلٍ} يضربونه لك في إبطال أمرك، ومخاصمتك، كما قالوا: {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} {إِلَّا جِئْنَاكَ} بالذي هو الحق لترد به خصومتهم، وتبطل به كيدهم، وما جاؤا به من المثل.
{وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} أي: من مَثَلهم. قال الزجاج: وحذفت من؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، لو قلت: رأيتُ زيدًا وعمْرًا، فكان عمْرٌو أحسن وجهًا. كان في الكلام دليل على أنك تريد: مِنْ زيد. وهذا الذي ذكرنا معني قول مقاتل، في هذه الآية
وذكر عطاء والكلبي، بيان ما يأتون به، وما يجيء الله به مما هو الحق؛ فقالا: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ} كما أتوا به في صفة عيسى فقالوا: إنه خُلِق من غير أب {إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ} هو أي: بما فيه نقض لحجتهم؛ وهو: آدم، خُلِق من غير أب، ولا أم. وهذا معنى قوله تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ} الآية [آل عمران: 59] .