وحسّن هذا التأكيد بُعد ما بين الحال وصاحبها وهو واو الجماعة في قوله: {أن تأكلوا من بيوتكم} ، ولأجل كونها تأكيداً فصلت بلا عطف.
والجميع: المجتمعون على أمر.
والأشتات: الموزعون فيما الشأن اجتماعهم فيه ، قال تعالى: {تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى} [الحشر: 14] .
والأشتات: جمع شَتّ ، وهو مصدر شتّ إذا تفرق.
وأما شتّى فجمع شتيت.
والمعنى: لا جناح عليكم أن يأكل الواحد منكم مع جماعة جاءوا للأكل مثله ؛ أو أن يأكل وحده متفرقاً عن مشارك ، لئلا يحسب أحدهم أنه إن وجد من سبقه للأكل أن يترك الأكل حتى يخرج الذي سبقه ، أو أن يأكل الواحد منكم مع أهل البيت.
أو أن يأكل وحده.
وتقدم قراءة {بيوت} بكسر الباء للجمهور وبضمها لورش وحفص عن عاصم عند قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم} في هذه السورة (27) .
{فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مباركة طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} .
تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكَّرهم بأدب الدخول المتقدم في قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب والبعيد ولا يغرنَّه قول الناس: إذا استوى الحب سقط الأدب.
ومعنى {فسلموا على أنفسكم} فليسلم بعضكم على بعض ، كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] .
ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقته فظنوا أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحداً وهذا بعيد من أغراض التكليف والآداب.