وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ ذَهَبَ حُكْمُهَا ؛ رَوَى عِكْرِمَةُ أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ ، فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، كَيْفَ تَرَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا ، فَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ ؛ قَوْلِ اللَّهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} وَقَرَءُوهَا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَلَى بَعْضٍ} ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ بِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ يُحِبُّ السَّتْرَ.
وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ ، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوْ وَلَدُهُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ ، وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ ؛ فَأَمَرَ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ ، فَجَاءَهُمْ اللَّهُ بِالسُّتُورِ ، وَالْخَيْرِ ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ.
وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا بِمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ أَنَّ شُرُوطَ النَّسْخِ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ ، وَمِنْ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ ، فَكَيْفَ يَصِحُّ لِنَاظِرٍ أَنْ يَحْكُمَ بِهِ ؟
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي التَّنْقِيحِ: اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ الْحُجْبَةَ وَاقِعَةٌ مِنْ الْخَلْقِ شَرْعًا ، وَلِذَلِكَ وَجَبَ الِاسْتِئْذَانُ حَتَّى يَخْلُصَ بِهِ الْمَحْجُورُ مِنْ الْمُطْلَقِ ، وَالْمَحْظُورُ مِنْ الْمُبَاحِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} .