وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ زَالَتْ، وَالْحُكْمُ إِذَا ثَبَتَ بِعِلَّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا، فَرَوَى أبو داود فِي"سُنَنِهِ"«أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لِابْنِ عَبَّاسٍ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} الْآيَةَ.
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، يُحِبُّ السِّتْرَ، وَكَانَ النَّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ، فَرُبَّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ، أَوِ الْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرَّجُلِ، وَالرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ، فَجَاءَهُمُ اللَّهُ بِالسُّتُورِ وَالْخَيْرِ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ»
وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَطَعَنَ فِي عكرمة، وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا، وَطَعَنَ فِي عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ صَاحِبَا الصَّحِيحِ، فَإِنْكَارُ هَذَا تَعَنُّتٌ وَاسْتِبْعَادٌ لَا وَجْهَ لَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَامَّةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ، وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ، وَإِنْ تَرَكَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ.
وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فَتْحُهُ دَلِيلٌ عَلَى الدُّخُولِ، أَوْ رَفْعِ سِتْرٍ، أَوْ تَرَدُّدِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ وَنَحْوِهِ، أَغْنَى ذَلِكَ عَنِ الِاسْتِئْذَانِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْحُكْمُ مُعَلَّلٌ بِعِلَّةٍ قَدْ أَشَارَتْ إِلَيْهَا الْآيَةُ، فَإِذَا وُجِدَتْ، وُجِدَ الْحُكْمُ، وَإِذَا انْتَفَتِ انْتَفَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...