على ما وجهناه. وفي المرتبة الثالثة عَلَى هذا الْقَوْل. وبالْجُمْلَة هُوَ بهذا الْمَعْنَى قريب من أن
يكون بمعنى غير كأنه أداة استثناء انتهى. فاحفظ هذا فإنه يندفع به ما خلج في صدرك من
أنهم فسروا دون بمعنى الغير أو أخذ الغير في توضيح معناه كما فعله المصنف مع أنهم لم
يعدوا الغير من معانيه ولو مَجَازًا.
قوله: (ومن متعلقة بـ ادموا. والْمَعْنَى ادعوا إلَى المعارضة من حضركم أو رجوتم
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: ومن متعلقة بـ ادعوا وفي الكَشَّاف (مِنْ دُونِ اللَّهِ) متعلق بـ ادعوا أو
بـ شهدائكم فإن علقته بشهدائكم فمعناه ادعوا الَّذينَ أتخذتموهم آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ وزعمتم أنهم
يشهدون لكم يَوْم الْقيَامَة أنكم عَلَى الحق وادعوا الَّذينَ يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى:
تريك القذى من دونها
وهي دونه أي تريك القذى قدامها، وهي قدام القذى لرقتها [وصفائها] وفي أمرهم أن يستظهروا
بالجماد الذي لا ينطق في معارضة الْقُرْآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم(وادعوا شهداءكم من
دون اللَّه)أي من دون أوليائه ومن غير الْمُؤْمنينَ ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذه
من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأن شهداءهم مداره القوم الَّذينَ هم وجوه المشاهد وفرسان
المقاولة، والمناقلة تأبى عليهم الطباع وتجمع بهم الْإنْسَانيَّة والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشَّهَادَة
بصحة الفاسد البين عندهم فساده واستقامة المحال الجلي في عقولهم إحالته وتعليقه بالدعاء في
هذا الوجه جائز وإن علقته بالدعاء فمعناه ادعوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شهداءكم ولا تقولوا الله يشهد أن ما
ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة عَلَى صحة دعواه وادعوا شهداء من النَّاس الَّذينَ
شهادتهم بينة يصحح بها الدعوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم وأن
الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثًا غير قولهم الله يشهد أنَّا صادقون، وقولهم هذا تسجيل منهم
على أنفسهم [بتناهى] العجز وسقوط القدرة أو ادعوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شهداءكم يعني أن الله شاهدكم لأنه
أقرب إليكم من حبل الوريد وهو بينكم وبين أعناق رواحلكم والجن والإنس شاهدوكم فادعوا كل
من يشهدكم واستظهروا له من الجن والإنس إلا الله لأنه القادر وحده عَلَى أن يأتي بمثله دون كل
شاهد من شهدائكم فهو في معنى قوله: (قُلْ لَئن اجْتَمَعَت الْإنْسُ وَالْجنُّ) الآية.
تم كلامه وجملة الْكَلَام أن (مِنْ دُونِ اللَّهِ) إما متعلق بشهدائكم أو بـ ادعوا والشهداء إما بمعنى
الحاضر والقائم بالشَّهَادَة ودون إما بمعنى غير أو بمعنى قدام فإذا علق شهدائكم اختص أن يكون
بمعنى القائم بالشَّهَادَة لا بمعنى الحاصر لأنه معناه حِينَئِذٍ وادعوا الحاضرين مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو يوهم
نفي الحضور من الله لأن تَخْصيص الشيء بالوصف وإن لم يدل عَلَى النفي عن غيره لا يقصر عن
إيهامه ذلك فتعين أن يكون بمعنى القائم بالشَّهَادَة فالشاهد إما الأصنام أو مداره القوم فعلى أن يراد
به الأصنام مِنْ دُونِ اللَّهِ إما في محل النصب عَلَى الحال أي مفردًا عن الله عَلَى ما قاله أبو البقاء
وهو الْمُرَاد بقوله (ادعوا الَّذينَ اتخذتموهم آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ) وزعمتم أنهم
يشهدون لكم أو عَلَى الظَّرْف والعامل ما في الشهداء من معنى الْفعْل وهو الْمُرَاد من قوله ادعوا
الَّذينَ يشهدون لكم بين يدي الله وعلى التقديرين الْمُرَاد بالشهداء الأصنام يدل عليه قوله بعد
ذكرهما وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد غاية التهكم وعلى أن يكون الْمُرَاد بالشهداء المداره
يكون الْمُضَاف مَحْذُوفا الْمَعْنَى ادعوا شهداءكم متجاوزين من أولياء الله ومن الْمُؤْمنينَ وادعوا