بالمفهوم فضلًا عند من أنكره، ويظهر من هذا ضعف ما ذكره آنفًا من قوله ولأنه معجز في
نفسه لا بالنسبة إليه. وقوله يوهم هنا إشَارَة إلَى ما ذكرناه ولا ينافي هذا الإيهام عوده إلَى
عبدنا بل يفيد مرجوحيته وهو غرضه في كل وجه فلا تغفل.
قوله: (ولا يلائمه قَوْلُه تَعَالَى:(وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي
على جميع الْوُجُوه؛ إذ لو كان ملائمًا عَلَى بَعْضٍ الْوُجُوه يكون عود الضَّمير إلَى المنزل
غير ملائم لذلك البعض من الْوُجُوه فيتساويان، فلا رجحان، وهو ينافي غرض المصنف. قوله
(فإنه أمر بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم) بيان لعدم الملائمة؛ إذ الأمر بالاستعانة
لكل من ينصرهم إنما يلائم ظاهره أمرهم بالإتيان بمثل الْقُرْآن لا الإتيان سورة من مثل
النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ في الأمية. أما إذا أريد دعاء الشهداء للاستعانة بهم في التحدي والمعارضة
إما حَقيقَة أو ادعاء كما في الوجه الأول من الْوُجُوه الستة فإذا لا معنى للاستعانة بطائفة فيما
هو فعل واحد، وَأَيْضًا يلزم المنافاة؛ إذ لو استعين بهم فيه لم يكن المأتي به ما كان مطلوبًا
منهم بل من أحدهم فلا معنى للاستعانة. غاية الأمر أنهم [حِينَئِذٍ] باعثون له عَلَى إتيان المثل
فالملائم [حِينَئِذٍ] نسبة الشهداء إلَى ذلك الأمي بأي معنى أريد من الشهداء خصوصًا في الوجه
الأول لأنهم شهداء له لا لهم. وأما إذا أريد دعاء الشهداء للاستعانة بشهادتهم إما حَقيقَة أو
ادعاء كما في الْوُجُوه الباقية فإن الاستعانة لا يجب أن [تكون] في المعارضة فقط وإن كان
ذلك هُوَ الْمُتَبَادَر فلذا قدمه ورجحه بل يجوز أن يكون لترويح الدعوى فلأن إضافة الشهداء
إليهم إنما تحسن إذا كان الإتيان بالمثل صادرًا منهم لا من واحد منهم وإلا كانوا شهداء له
لا لهم فحقهم أن يضافوا إليه لا إليهم كما سلف مع أن الْإضَافَة في النص الكريم إليهم
وهذا جار في كل احتمال لا يَخْتَصُّ بما سوى الوجه الأول من الْوُجُوه كما صدر عن بعض
الفحول. وقيل ورجوع الضَّمير إلَى العبد يوهم أن دعاءهم الشهداء يشهدون بأن ذلك الواحد
مثل له لا أن ما أتى به مثل للمنزل، وهذا الإبهام مخل بمتانة الْمَعْنَى وفخامته، وترجيح رجوع
الضَّمير للمنزل يقتضي كون الظَّرْف صفة للسورة أَيْضًا كما قرره السند انتهى. وقد أشار إليه
الْمُصَنّف بتقديمه، وأما الْقَوْل بأن عدم الملائمة ممنوعة لجواز أن يكون الأول طالبًا للإتيان
بسورة من مثل المنزل إليه، والثاني طلب له من الكل عَلَى سبيل الترقي فمدفوع بأنه إن أريد
بالكل كل أمي فلا يكون له كثير فَائدَة؛ إذ مثل المنزل إليه شامل له عَلَى سبيل البدل وإن
أُريد كل فصيح بليغ ففيه شائبة النسخ قبل العمل والشروع بالإتيان فلا يناسب جزالة النظم
الجليل، وإن أريد الكل مُطْلَقًا أميًا كان أو بليغًا فلزم ما لزم في الاحتمال الثاني فلا جرم
أن الثاني ليس طلبًا للإتيان بل الأمر بالاستظهار في إتيان المأمورين بإتيان مثل المنزل إليه
فيلزم المحذور الْمَذْكُور فالراجح عود الضَّمير إلَى المنزل إليه قوله بأن تستعينوا بكل من