في التحدي أن أن يقال لهم ليأت بنحو ما أتى به هذا آخر مثله) أي إذا كان الضَّمير
راجعًا إلَى العبد يقتضي كون آحادهم الأميين عاجزين عنه، فإن المأمور عَلَى هذا التقدير
جماعة من الأميين سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين والآخرون باعثون عَلَى ذلك بلا مدخلية
الإتيان بخلاف عود الضَّمير إلَى المنزل فإنه يقتضي كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء
انفردرا أو اجتمعوا، وسواء كانوا بلغاء عالمين أو أميين جاهلين، ولا شك أن الإعجاز عَلَى
هذا التقدير أقوى عَلَى أن وقوع الإعجاز والتحدي مع البلغاء وهذا مَشْهُور، وقد أشار إليه
المص في ديباجة الْكتَاب حيث قال وأفحم من تصدى لمعارضته من فصحاء عدنان وبلغاء
قحطان، وهذا يقتضي عدم جواز عود الضَّمير إلَى العبد لكنه ذكره عَلَى وجه الاحتمال لئلا
يتوهم الإهمال ثم بين مرجوحيته بوجوه شتى، وأَيْضًا هذا كما أنه أقوى في الإعجاز كَذَلكَ
أقوى في التعجيز؛ إذ تعجيز قوم فيهم أمي وبليغ أديب حاذق في فنه أقوى بمراحل عن
تعجيز الأمي وحده.
قوله:(ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقَوْله تَعَالَى: قُلْ لَئن اجْتَمَعَت الْإنْسُ
وَالْجنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بمثْل هذَا الْقُرْآن لاَ يَأْتُونَ بمثْله)هذا رابع الْوُجُوه أي
أن المنزل لكونه في مرتبة العلياء من البَلَاغَة معجز في نفسه لا بالنسبة إلَى كون العبد أميا
لم يقرأ الكتب الخ. وأورد الضَّمير إلَى الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ لتوهم أن إعجازه باعْتبَار حاله
من كونه أميًا وإن كان مدفوعًا بأن الاعتبار عجزهم عن إتيان مثله سواء كان أميًا أو لا، ثم
أيده بقَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ لَئن اجْتَمَعَت الْإنْسُ وَالْجنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا) الآية.
وجه التأييد هُوَ أن الْمُرَاد بالْقُرْآن المنزل عليه في هذه الآية البعض منه وهو مقدار أقصر
سورة بدلالة الآية الأخرى، والْقُرْآن كما يطلق عَلَى المجموع يطلق عَلَى بعضه، كَمَا صَرَّحَ به
الْمُصَنّف في أوائل سورة يُوسُف فيلزم عجزهم عن إتيان بعضه فضلًا عن كله، فلا يرد ما
قيل من أن الْقُرْآن اسم للمجموع فيلزم العجز عن الكل ولا كلام، وإنما الْكَلَام في العجز
عن البعض ولا دلالة له.
قوله: (ولأن رده إلَى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن عَلَى صفته) نظرًا إلَى
أن التَّقْييد يفيد انتفاء الحكم عند انتفاء القيد إذا لم توجد فَائدَة أخرى وهنا كَذَلكَ، وهذا
مفهوم المخالفة والْمُصَنّف ممن يقول به، وفيه تأمل؛ إذ الْقُرْآن وإن كان معجزًا في نفسه لكن
ظهوره من الأمي الذي لم ينشئ فريضًا ولا خطبة ثم قرأ عليهم كتابًا شأنه كَذَلكَ فيظهر
بسببه ظهورًا باهرًا أنه معلَّمٌ به من الله تَعَالَى هذا خلاصة ما في سورة يونس في قوله
تَعَالَى: (فَقَدْ لَبثْتُ فيكُمْ عُمُرًا منْ قَبْله أَفَلَا تَعْقلُونَ) فلا مفهوم عند القائلين