{فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} أن لن نقضي عليه العقوبة ، قاله مجاهد وقتادة والضحّاك والكلبي ، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ، تقول العرب: قدّر الله الشيء بقدره تقديراً وقدره يقدره قدراً ، ومنه قوله {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت} [الواقعة: 60] وقوله {والذي قَدَّرَ فهدى} [الأعلى: 3] في قراءة من خفّفهما ، ودليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزّهري {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} بضم النون وتشديد الدال من التقدير ، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة: فظنّ أن لن يُقدّر عليه بالتشديد على المجهول ، وقرأ يعقوب يُقدَر بالتخفيف على المجهول . وقال الشاعر في القدر بمعنى التقدير:
فليست عشيّات الحمى برواجع ... لنا أبداً ما أورق السلم النضر
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر نفع ولك الشكر
وقال عطاء وكثير من العلماء: معناه فظنّ أن لن نضيّق عليه الحبس من قوله سبحانه {الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ} [الرعد: 26] أي يضيّق.
وقال سبحانه وتعالى {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزقُهُ} [الطلاق: 7] ، وقال ابن زيد: هو استفهام معناه: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟.
وروى عوف عن الحسن أنّه قال: معناه: فظنّ أنّه يعجز ربّه فلا يقدر عليه.
قال: وبلغني أن يونس لمّا أذنب انطلق مغاضباً لربّه واستزلّه الشيطان حتّى ظنّ أن لن يقدر عليه .
قال: وكان له سلف وعبادة فأبى الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت ، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين يوم وليلة ، وقيل: سبعة أيام ، وقيل: ثلاثة ، وأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك ، فتاب إلى ربّه في بطن الحوت وراجع نفسه فقال: {أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين} فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته.