وما دام ربك - عز وجل - يعلم الجهر ويعلم السرَّ وأخْفى ، فإياك أنْ تنافق ؛ لأننا ننهاك عن النفاق مع البشر ، فمن باب أَوْلى أن ننهاك عن نفاق ربك سبحانه الذي يعلم سِرَّك كما يعلم علانيتك ، وقصارى أمر البشر أنْ يُراقبوا علانيتك . لذلك ، فإن كل احتياطات أهل الإجرام التخفِّي عن أعين الدولة ، والهرب من مراقبة الشرطة ، لكن كيف التخفي عن نظر الله وعلمه؟
وقوله تعالى: {إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} [الأنبياء: 110] يُعلّمنا الأدب حتى فيما نكتم ، فالأدب في الجهر من باب أَوْلَى ، ونحن مؤمنون بأن الله سبحانه غَيْب غير مشهد ، وهَبْ أنك في بيتك تعلم كل شيء فيه ؛ لأنه مشهد لك ، أمّا ما كان خارج البيت فهو غَيْب عنك لا تعلمه ، أمّا الحق سبحانه فهو غَيْب يعلم كل مَشْهد وكل غيب .
ثم يقول الحق سبحانه: {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ . .} .
أي: لعل الإمهال وبقاءكم دون عذاب وتباطؤ الساعة عنكم فتنةٌ واختبار ، يا ترى أتُوفَّقون وتفوزون في هذا الاختبار ، كما قال سبحانه في موضع آخر: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة: 55] .
وقال تعالى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [آل عمران: 178] .
وقوله تعالى: {وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ} [الأنبياء: 111] أي: لن يدوم هذا النعيم وهذا المتاع ؛ لأن له مدة موقوتة .
ثم يقول الحق سبحانه في ختام سورة الأنبياء: {قَالَ رَبِّ احكم بالحق وَرَبُّنَا الرحمن . .} .