والمراد هنا السمع الذي يستفيد منه السامع ، سَمْع العبرة والعِظَة ، وإلا فآذانهم موجودة وصالحة للسمع ، ويسمعون بها ، لكنه سمَاعٌ لا فائدةَ منه ؛ لأنهم ينفرون من سماع الحق ومن سماع الموعظة ويسدُّون دونها آذانهم ، فهم في الخير أذن من طين ، وأذن من عجين كما نقول .
أما المؤمنون فيقول الحق تبارك وتعالى فيهم: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق} [المائدة: 83] .
إذن: فكراهية أولئك للمسموع جعلتهم كأنهم لا سَمْعَ لهم ، كما نقول نحن في لغتنا العامية: (أنت مطنش عني) ، يعني لا تريد أنْ تسمعَ ، ومن أقوال أهل الفكاهة: قال الرجل لصاحبه: فيك مَنْ يكتم السرَّ؟ قال: نعم ، قال: أعْطني مائة جنيه ، قال: كأنِّي لم أسمع .
ولذلك حكى القرآن عن كفار مكة قولهم: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26] .
يعني: شَوِّشُوا عليه ، ولا تُعطوا الناس فرصة لسماعه ، ولو أنهم علموا أن القرآن لا يؤثر في سامعه ما قالوا هذا ، لكنهم بأذنهم العربية وملكتهم الفصيحة يعلمون جيداً أن القرآن له تأثير في سامعه تأثيراً يملك جوانب نفسه ، ولابُدَّ لهذا العربي الفصيح أنْ يهتزّ للقرآن ، ولابُدَّ أنه سيعرف أنه مُعْجِز ، وأنه غير قَوْل البشر ، وحتماً سيدعوه هذا إلى الإيمان بأن هذا الكلام كلام الله ، وأن محمداً رسول الله ؛ لذلك قال بعضهم لبعض محذراً: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ} [فصلت: 26] .
وفي آية أخرى يقول الحق تبارك وتعالى: {وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ الله تتلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الجاثية: 78] .