(زُبَرَ الْحَدِيدِ) قطع الحديد الكبيرة، (حَتَى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ) الصدفان: جبلان جعل السد بينهما، وبعد أن وضع الحديد من قطع كبير علا بها حتى تساوى مع أعلى الجبلين وتنضد الحديد بينهما تنضيدا، جمع الأحطاب، وأشعل فيها النار ليصهر الحديد، (قَالَ انفُخُوا) ، أي في الحديد الذي ساوى فيه بين الصدفين، وساماهما، أي انفخوا في مشعل الأحطاب، (حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا) صهره واحمر انصهر، وصار نارا باحمراره بارتفاع درجة حرارته ارتفاعا شديدا، وصار لونه أحمر شديدا يتلظى بعد هذا العمل، (قَالَ آتُونِي) النداء للعمال الذين قاموا بِزَبْر الحديد وصهروها، (أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) ، وهو النحاس المصهور المذاب.
ولعله جعل النحاس طبقة فوق الحديد تربط أجزاءه وتسوى جدار سطحه.
ونراه صار مكونا من حديد ممسوكا بالنحاس، فصار قويا سادًّا كل الثغرات، وبذلك صار مرتفعا عاليا فوق طاقتهم أن يرتفعوا إلى أعلاه، وينزلوا إلى أسفله عند الذين استغاثوا منهم؛ ولذا قال تعالى:
(فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97)
إذا كان قد بني ذلك البناء المحكم، وبأدوات قوية لَا تنقض، وبهندسة نضدت زبر الحديد، وأسكب ذَوْبَ النحاس، فإن يأجوج ومأجوج لَا قبل لهم بالوصول إلى أرضهم يبيدون فيها الحرث والنسل.
(فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ) ، أي أن يعلو إلى ظهرِه، لأنه بني مرتفعا ارتفاعا فوق طاقتهم أن يصعدوا إليه، (وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) وما استطاعوا أن ينقبوه في جانب من جوانبه؛ لأنه حديد مصهر ثم تجمد مستقا.
وبعد أن وفق ذو القرنين ذلك التوفيق.
(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا(98)