وَمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِيَ لَنَا عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ، لَمْ يُحْكَ لَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ تَفْصِيلٌ بَيْنَ فَتْحِ ذَلِكَ وَضَمِّهِ، وَلَوْ كَانَا مُخْتَلَفَيِ الْمَعْنَى لَنُقِلَ الْفَصْلُ مَعَ التَّأْوِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ كَانَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ مُفْتَرِقٍ، فَيُفَسَّرُ الْحَرْفُ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ مِنْهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ الَّذِي نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ أَيُّوبَ وَهَارُونَ وَفِي نَقْلِهِ نَظَرٌ، وَلَا نَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْ أَيُّوبَ مِنْ رِوَايَةِ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ.
وَالسَّدُّ وَالسُّدُّ جَمِيعًا: الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَهُمَا هَهُنَا فِيمَا ذُكِرَ جَبَلَانِ سُدَّ مَا بَيْنَهُمَا، فَرَدَمَ ذُو الْقَرْنَيْنِ حَاجِزًا بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَمَنْ وَرَاءَهُمْ، لِيَقْطَعَ مَادَّ غَوَائِلِهِمْ وَعَيْثِهِمْ عَنْهُمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ» قَالَ: الْجَبَلَيْنِ الرَّدْمُ الَّذِي بَيْنَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، أُمَّتَيْنِ مِنْ وَرَاءِ رَدْمِ ذِي الْقَرْنَيْنِ، قَالَ: الْجَبَلَانِ: أَرْمِينِيَةُ وَأَذْرَبِيجَانُ.
وَقَوْلُهُ {وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا}
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَجَدَ مِنْ دُونِ السَّدَّيْنِ قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلَ قَائِلٍ سِوَى كَلَامِهِمْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ {يَفْقَهُونَ} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ {يَفْقَهُونَ قَوْلًا} بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْيَاءِ، مِنْ فَقِهَ الرَّجُلِ يَفْقَهُ فِقْهًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ (يُفْقِهُونَ قَوْلًا) بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْقَافِ: مِنْ أَفْقَهْتُ فُلَانًا كَذَا أُفْقِهُهُ إِفْقَاهًا: إِذَا فَهَّمْتُهُ ذَلِكَ.