وَالصَّوَابُ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، غَيْرُ دافعةٍ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الْخَبَرَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لِغَيْرِهِمْ عَنْهُمْ، فَيَكُونُ صَوَابًا الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونُوا مَعَ كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ كَانُوا لَا يَكَادُونَ أَنْ يُفْقِهُوا غَيْرَهُمْ لِعِلَلٍ: إِمَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَإِمَّا بِمَنْطِقِهِمْ، فَتَكُونُ الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ أَيْضًا صَوَابًا.
وَقَوْلُهُ: {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ {إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} فَقَرَأَتِ الْقُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ: (إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى فَاعُولٍ مِنْ يَجَجْتُ وَمَجَجْتُ، وَجَعَلُوا الْأَلِفَيْنِ فِيهِمَا زَائِدَتَيْنِ، غَيْرَ عَاصِمَ بْنَ أَبِي النَّجُودِ وَالْأَعْرَجِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ أَنَّهُمَا قَرَآ ذَلِكَ بِالْهَمْزِ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَجَعَلَا الْهَمْزَ فِيهِمَا مِنْ أَصْلِ الْكَلَامِ، وَكَأَنَّهُمَا جَعَلَا يَأْجُوجَ: يِفْعُولَ مِنْ أَجَجْتُ، وَمَأْجُوجُ: مَفْعُولٌ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ الصَّحِيحَةُ عِنْدَنَا (إِنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ) بِأَلِفٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ الْكَلَامُ الْمَعْرُوفُ عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ.
[البحر الرجز]
لَوْ أَنَّ يَاجُوجَ وَمَاجُوجَ مَعَا ... وَعَادَ عَادُوا وَاسْتَجَاشُوا تُبَّعَا
وَهُمْ أُمَّتَانِ مِنْ وَرَاءِ السَّدِّ
وَقَوْلُهُ: {مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الِإِفْسَادِ الَّذِي وَصَفَ اللَّهُ بِهِ هَاتَيْنِ الْأُمَّتَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانُوا يَأْكُلُونَ النَّاسَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ سَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ لَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَوْمَئِذٍ يُفْسِدُونَ.
وَقَوْلُهُ {فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا}