قوله تعالى (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ...(73)
قال ابن عطية: كانت الأولى من موسى نسيانا، والثانية شرطا، والثالثة تعمدا فكان الجمع شرطا، قال: أما كون الثانية شرطا؛ فلأن مفهوم قوله (لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ) أنه إن عاد إلى ذلك يؤاخذه فهذا شرط في الثانية.
قيل لابن عرفة: بل الشرط هو قوله: إن سألتك بعدها، فقال: إنما شرط ذلك بعد وقوع الغفلة الثانية، وأما الثالثة فتعمد؛ لأنه عزم على فراقه؛ فلذلك أنكر عليه.
قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ ... (77) }
ولم يقل: وصلا إلى أهل قرية؛ إشارة إلى أن إتيانهم لها كان على قصد، والقرية قيل: هي الأبلة، قالوا: وهي أبعد أرض إلى السماء.
ابن عرفة: إن قلنا: إن الأرض كورية فمن هو في أعلى الكورة أقرب إلى السماء ممن هو في جوانبها، مثل: بطيخة موضوعة في قبة فصعدت نملة في أعلى البطيخة، ونملة في جوانبها، فإن التي في أعلاها أقرب إلى سقف القبة.
قوله تعالى: (اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) .
فيها سؤالان:
الأول: لم أعاد الاسم الظاهر، وهلا قال: استطعماهم؟ قال: فأجيب بأن المراد أنهما استطعما كرم أهلها ومن يظن به منهم التكرم؛ لَا أنهما قصدا الجميع.
السؤال الثاني: أن الاستطعام أعم لصدقه لأدنى شيء، والضيافة أخص إما ليلة أو ثلاثة أيام أو نحو ذلك؛ فاستعمل في الآية إلا في الثبوت والأخص في النفي، والقاعدة عكس ذلك، قال: وأجيب: بأنهما قصدا التلطف في الطلب فعبرا بأدنى العبارات، وهو الإطعام الذي حصل مدلوله باللقمة الواحدة، وقوبلا هما بالامتناع من الضيافة بقصدهما الإسراف من أهلها الذين لَا يطلب منهم إلا المقابلة بالتسامي في الإكرام على قدر همهم وعظم منازلهم؛ بل إنما أجاب بأن موسى والخضر عليهما السلام لَا يقابلان إلا بالضيافة الكاملة لَا مطلق الطعام؛ فلذلك قال (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) .
قوله تعالى: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ) .