قال ابن عرفة: فيه إشارة إلى أنك كنت غير عالم فعلمت، وكذلك إما كما علمت علمني؛ فلذلك لم يقل (مِمَّا عُلِّمْتَ) ؛ فإن قلت: ما يقبل التعليم العلم الظاهر الذي له أمارات ودلائل، وأما علم الباطن فلا ينحصر ولا يقبل تعليما، ولذلك قال (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) ، فالجواب: أن موسى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ظن أنه راجع للعلم الظاهر الذي ينحصر بالأمارات والدلائل، فأسفرت العاقبة أنه من علم الباطن الذي لَا يقبل تعليما، أو يقال: إنه طلب منه أن يعلمه طريق السلوك الموصلة لما وصل هو إليه.
قال ابن عرفة: و (رُشْدًا) لَا يصح أن يكون من باب الأعمال بحيث يطلبه بعلمني، وعلمت أن تكون مفعولا ثانيا لكل واحد منهما؛ لأنك إن علمت فعلمني يجب أن يضمر في الثاني مفعولا ولا يكون إلا منطوقا به لَا مقدرا؛ لأنه يؤدي إلى نصبه العامل للعهد وقطعه عنه، وإن أعلمته للثاني يبقى الموصول بغير عائد فيتعين أن يكون معمولا للأول، ولا تكون المسألة من باب الإعمال.
قوله تعالى: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ... (71) }
قال ابن عرفة: خرقها خرقا يصيبها ولا يضرها؛ ولذلك لم يغرق من أهلها أحد.
قال الزمخشري: فإن قلت: لم جعل هنا جواب الشرط فعل الخضر وهو الخرق لا قول موسى، وجعل في قتل الغلام فعل الخضر معطوف بالفاء، وجواب الشرط قول موسى؟ فأجاب بأن الخرق متراخ عن الركوب، والقتل يعقب لفاء الغلام، وتبعه أبو حيان.
قال ابن عرفة: إنما عادتهم يجيبون بأن خرق السفينة ملائم لسببه وهو الركوب؛ لأنهم فعلوا معهم أمرا ملائما فحملوهم بغير قول؛ ففعل هو معهم بسبب ذلك أمرا ملائما وهو خرق السفينة الموجب إنجائهم من الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا؛ فناسب جعله سببا عنه، وأما قتل الغلام فليس ملائم للفاء؛ وإنما الملائم له فعل مقدر وهو خوف أن يرهق والديه المؤمنين طغيانا وكفرا؛ فلذلك عطفه على الشرط ولم يجعله جوابا له ولا سببا عنه.
قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) .
أي شيئا عظيما، كقول أبي سفيان في حديث هرقل: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ.