ومعنى نِسيان ما قدمتْ يداه أنه لم يَعرض حاله وأعماله على النظر والفكر ليعلم: أهي صالحة لا تخشى عواقبها أم هي سيئة من شأنها أن لا يسلم مقترفها من مؤاخذة ، والصلاحُ بَيّنٌ والفساد بينٌ ، ولذلك سمي الأول معروفاً والثاني منكَراً ، ولا سيما بعد أن جاءتهم الذكرى على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم فهم بمجموع الحالَين أشد الناس ظلماً ، ولو تفكروا قليلاً لعلموا أنهم غير مفلَتين من لقاء جزاء أعمالهم.
ف (مَن) استفهام مستعمل في الإنكار ، أي لا أحد أظلم من هؤلاء المتحدث عنهم.
والنسيان: مستعمل في التغاضي عن العمل.
وحقيقة النسيان تقدم عند قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها} في سورة البقرة (106) .
ومعنى ما قدمت يداه ما أسلفه من الأعمال.
وأكثر ما يستعمل مثل هذا التركيب في القرآن في العمل السيء ، فصار جارياً مَجرى المثل ، قال تعالى: {ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد} ، وقال: {وما أصابكم من مصيبة فبما قدمت أيديكم} .
والآية مصوغة بصيغة العموم ، والمقصود الأول: منها مشركو أهل مكة.
وجملة {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة} مستأنفة بيانية نشأت على جملة {ونسي ما قدمت يداه} ، أي إن لم تعلم سبب نسيانه ما قدمت يداه فأعلم أنا جعلنا على قلوبهم أكنة.
وهو يفيد معنى التعليل بالمآل ، وليس موقع الجملة موقع الجملة التعليلية.
والقلوب مرادُ بها: مَدارك العلم.
والأكنة: جمع كِنان ، وهو الغِطاء ، لأنه يُكن الشيء ، أي يَحجبه.
و {أن يفقهوه} مجرور بحرف محذوف ، أي مِنْ أن يفقهوه ، لتضمين {أكنة} معنى الحائل أو المانع.
والوقر: ثقل السمع المانع من وصول الصوت إلى الصماخ.
والضمير المفرد في {يفقهوه} عائد إلى القرآن المفهوم من المقام والمعبر عنه بالآيات.