ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر المختلفين في عددهم بما يقطع التنازع بينهم فقال: {قُل رَّبّى أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم} منكم أيها المختلفون ، ثم أثبت علم ذلك لقليل من الناس فقال: {مَّا يَعْلَمُهُمْ} أي: يعلم ذواتهم فضلاً عن عددهم ، أو ما يعلم عددهم على حذف المضاف {إِلاَّ قَلِيلٌ} من الناس ، ثم نهى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عن الجدال مع أهل الكتاب في شأن أصحاب الكهف فقال: {فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ} المراء في اللغة: الجدال يقال: مارى يماري مماراة ومراءً أي: جادل ، ثم استثنى سبحانه من المراء ما كان ظاهراً واضحاً فقال: {إِلاَّ مِرَآء ظاهرا} أي: غير متعمق فيه وهو أن يقصّ عليهم ما أوحى الله إليه فحسب.
وقال الرازي: هو أن لا يكذبهم في تعيين ذلك العدد ، بل يقول: هذا التعيين لا دليل عليه ، فوجب التوقف ، ثم نهاه سبحانه عن الاستفتاء في شأنهم فقال: {وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مّنْهُمْ أَحَداً} أي: لا تستفت في شأنهم من الخائفيين فيهم أحداً منهم ، لأن المفتي يجب أن يكون أعلم من المستفتي ، وها هنا الأمر بالعكس ، ولا سيما في واقعة أهل الكهف ، وفيما قصّ الله عليك في ذلك ما يغنيك عن سؤال من لا علم له.
{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْء إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً} أي: لأجل شيء تعزم عليه فيما يستقبل من الزمان ، فعبر عنه بالغد ، ولم يرد الغد بعينه ، فيدخل فيه الغد دخولاً أوّلياً.
قال الواحدي: قال المفسرون: لما سألت اليهود النبيّ صلى الله عليه وسلم عن خبر الفتية فقال:"أخبركم غداً"، ولم يقل إن شاء الله ، فاحتبس الوحي عنه حتى شقّ عليه ، فأنزل الله هذه الآية يأمره بالاستثناء بمشيئة الله يقول: إذا قلت لشيء: إني فاعل ذلك غداً ، فقل: إن شاء الله.