وكيف لا تكون تلك الحكم لطيفة، وتلك المعاني غريبة، وتلك الأحساس
دقيقة، ونحن نعلم أنّ أدقّ الناس حسّا وأرقّهم ذهنا وأحضرهم فهما، وأصحّهم خاطرا وأكملهم تجربة وعلما، لو رام الشيء الذي يحسنه الكلب في كثير من حالات الكلب لظهر له من عجزه وخرقه، وكلال حدّه وفساد حسّه، ما لا يعرف بدونه إنّ الأمور لم تقسم على مقدار رأيه، ولا على مبلغ عقله وتقديره، ولا على محبّته وشهوته وأنّ الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورة والمعاونة، وإلى مكانفة ومرافدة، ولا إلى تجربة ورويّة. ونحن ذاكرون من ذلك جملا إن شاء الله تعالى.
[قصّة في وفاء الكلب]
وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عبيدة لبعض الشعراء: [من الطويل]
يعرّد عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه
قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأنّ رجلا خرج إلى الجبّان ينتظر ركابه فأتبعه كلب كان له، فضرب الكلب وطرده، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر، فأبى الكلب إلّا أن يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار، ربض الكلب قريبا منه، فبينا هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطلبونه بطائلة لهم عنده، وكان معه جار له وأخوه دنيا، فأسلماه وهربا عنه، فجرح جراحات ورمي به في بئر غير بعيدة القعر، ثم حثوا عليه من التراب حتّى غطّى رأسه ثم كمّم فوق رأسه منه، والكلب في ذلك يزجم ويهرّ، فلمّا انصرفوا أتى رأس البئر فما زال يعوي وينبث عنه ويحثو التّراب بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه، فتنفّس وردّت إليه الرّوح وقد كاد يموت ولم يبق منه إلّا حشاشة، فبينا هو كذلك إذ مرّ ناس فأنكروا مكان الكلب ورأوه كأنّه يحفر عن قبر، فنظروا فإذا هم بالرّجل في تلك الحال، فاستشالوه فأخرجوه حيّا، وحملوه حتّى أدّوه إلى أهله، فزعم أنّ ذلك الموضع يدعى ببئر الكلب. وهو متيامن عن النّجف.
وهذا العمل يدل على وفاء طبيعي وإلف غريزي ومحاماة شديدة، وعلى معرفة وصبر، وعلى كرم وشكر، وعلى غناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع، لأنّ ذلك كلّه كان من غير تكلف ولا تصنّع.
[سلاح الكلب وسلاح الدّيك]
قالوا: فليس الدّيك من بابة الكلب لأنّه إن ساوره قهره قهرا ذريعا. وسلاح الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صيصة الديك التي في رجله، وصوته أندى وأبعد مدى وعينه أيقظ.
[دفاع عن الكلب]