ولو حدد زمانهم لَقال البعض: لقد حدث ما حدث منهم ؛ لأن زمانهم كان من الممكن أن يتأتّى فيه مثل هذا العمل ، ولو حدد الأشخاص وعيَّنهم لقالوا: هؤلاء أشخاص لا يتكررون مرة أخرى .
لذلك أبهمهم الله لتتحقّق الفائدة المرجوّة من القصة ، أبهمهم زماناً ، أبهمهم مكاناً ، وأبهمهم عدداً ، وأبهمهم أشخاصاً ليشيع خبرهم بهذا الوصف في الدنيا كلها لا يرتبط بزمان ولا مكان ولا أشخاص ، فحمل راية الحق ، والقيام به أمر واجب وشائع في الزمان والمكان والأشخاص ، وهذا هو عَيْن البيان للقصة ، وهذا هو المغزى من هذه القصة .
وانظر إلى قوله تبارك وتعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ . .} [غافر: 28]
هكذا {رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ} دون أن يذكر عنه شيئاً ، فالمهم أن الرجولة في الإيمان ، أيّاً كان هذا المؤمن في أيّ زمان ، وفي أيّ مكان ، وبأيّ اسم ، وبأيّ صفة .
كذلك في قوله تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أمرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ . .} [التحريم: 10] ولم يذكر عنهما شيئاً ، ولم يُشخِّصهما ؛ لأن التشخيص هنا لا يفيد ، فالمهم والمراد من الآية بيانُ أن الهداية بيد الله وحده ، وأن النبي المرسَل من الله لم يستطع هداية زوجته وأقرب الناس إليه ، وأن للمرأة حريةً عَقَيدة مُطْلقة .
وكذلك في قوله: {وَضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ أمرأت فِرْعَوْنَ . .} [التحريم: 11] ولم يذكر لنا مَنْ هي ، ولم يُشخِّصها ؛ لأن تعيُّنها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر ، المهم أن نعلم أن فرعونَ الذي ادَّعى الألوهية وبكل جبروته وسلطانه لم يستطع أنْ يحمل امرأته على الإيمان به .
إذن: العقيدة والإيمان أمر شخصيّ قلبي ، لا يُجبر عليه الإنسان ، وها هي امرأة فرعون تؤمن بالله وتقول: {رَبِّ ابن لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجنة وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ القوم الظالمين} [التحريم: 11]