وقال عطاء: إلا قليلٌ من أهل الكتابِ فالضمائرُ الثلاثة في الأفعال الثلاثةِ لهم وما ذكر من الشواهد لإرشاد المؤمنين إلى صحة القولِ الثالثِ وفيه محيصٌ عما في الأول من التكلف في جعل أحدِ الأقوالِ المحكية المنظومةِ في سِمْط واحدٍ ناشئاً عن الحكاية مع كون الأخيرين بخلافه ووضوحٌ في سبب حذف المفعولِ في لا تُمار ، والمعنى حينئذ: وإذ قد وقفتَ على أن كلَّهم ليسوا على خطأ في ذلك فلا تجادِلْهم إلا جدالاً ظاهراً نطَق به الوحيُ المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مُصيباً وإن قل ، والنهيُ عن الاستفتاء لدفع ما عسى يُتوهم من احتمال جوازِه أو احتمالِ وقوعِه بناءً على إصابة بعضهم ، فالمعنى لا ترجِعْ إليهم في شأن الفتيةِ ولا تصدّق القولَ الثالثَ من حيث صدورُه عنهم ، بل من حيث التلقّي من الوحي.
{وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْء} أي لأجل شيءٍ تعزم عليه {إِنّى فَاعِلٌ ذلك} الشيءَ {غَداً} أي فيما يُستقبل من الزمان مطلقاً فيدخُل فيه الغدُ دخولاً أولياً (فإنه نزل حين قالت اليهودُ لقريش: سلُوه عن الروح وعن أصحاب الكهفِ وذي القرنين ، فسألوه عليه الصلاة والسلام فقال:"ائتوني غداً أُخبرْكم"ولم يستثنِ فأبطأ عليه الوحيُ حتى شق عليه وكذّبته قريشٌ) . وما قيل من أن المدلولَ بالعبارة هو الغدُ وما بعد ذلك مفهومٌ بطريق دِلالة النصِّ يرده أن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي ، فإن وسعةَ المجالِ دليلُ القدرة فليتأمل.