وتخصيصُ ما ذكر من الخِصال الثلاثِ بالذكر لإظهار شرفِها وإنافتها على سائر ما انطوى تحت اسمِ التقوى من الحسنات ، أو النصبُ على المدح بتقدير أعني أو الرفعُ عليه بتقدير"هم"، وإما مفصولٌ عنه مرفوعٌ بالابتداء خبرُه الجملةُ المصدّرةُ باسم الإشارة كما سيأتي بيانُه ، فالوقفُ على (المتقين) حينئذ وقفٌ تام ، لأنه وقف على مستقلٍ ، ما بعده أيضاً مستقل ، وأما على الوجه الأول فحسنٌ لاستقلال الموقوف عليه ، غيرُ تامَ لتعلق ما بعده به وتبعيّته له ، أما على تقدير الجر على الوصفية فظاهر ، وأما على تقدير النصبِ أو الرفع على المدح فلما تقرَّر من أن المنصوبَ والمرفوعَ مدحاً وإن خرجا عن التبعية لما قبلهما صورةً حيث لم يتبعاه فِي الإعراب ، وبذلك سُمّيا قطعاً لكنهما تابعان له حقيقة ، ألا ترى كيف التزموا حذفَ الفعل والمبتدأ فِي النصب والرفع رَومْاً لتصوير كلَ منهما بصورة متعلِّقٍ من متعلقات ما قبله وتنبيهاً على شدة الاتصال بينهما ، قال أبو علي: إذا ذُكرت صفاتٌ للمدح وخولف فِي بعضها الإعرابُ فقد خولف للافتنان ، أي للتفنن الموجب لإيقاظ السامع وتحريكه إلى الجِدّ فِي الإصغاء ، فإن تغيير الكلامِ المَسوقِ لمعنىً من المعاني وصَرْفَه عن سَننه المسلوكِ يُنبيء عن اهتمام جديد بشأنه من المتكلم ، ويستجلب مزيدَ رغبةٍ فيه من المخاطب.