القيد الرابع: ليس من شرط الإيمان التصديق بجميع صفات الله عزّ وجلّ؛ لأن الرسول عليه السلام كان يحكم بإيمان من لم يخطر بباله كونه تعالى عالماً لذاته أو بالعلم، ولو كان هذا القيد وأمثاله شرطاً معتبراً فِي تحقيق الإيمان لما جاز أن يحكم الرسول بإيمانه قبل أن يجربه فِي أنه هل يعرف ذلك أم لا.
فهذا هو بيان القول فِي تحقيق الإيمان، فإن قال قائل: ها هنا صورتان: الصورة الأولى: من عرف الله تعالى بالدليل والبرهان ولما تم العرفان مات ولم يجد من الزمان والوقت ما يتلفظ فيه بكلمة الشهادة.
فههنا إن حكمتم أنه مؤمن فقد حكمتم بأن الإقرار اللساني غير معتبر فِي تحقيق الإيمان، وهو خرق للإجماع، وإن حكمتم بأنه غير مؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام:"يخرج من النار من كان فِي قلبه مثقال ذرة من إيمان"وهذا قلب طافح بالإيمان، فكيف لا يكون مؤمناً؟ الصورة الثانية: من عرف الله تعالى بالدليل ووجد من الوقت ما أمكنه أن يتلفظ بكلمة الشهادة ولكنه لم يتلفظ بها فإن قلتم إنه مؤمن فهو خرق للإجماع، وإن قلتم ليس بمؤمن فهو باطل؛ لقوله عليه السلام:"يخرج من النار من كان فِي قلبه مثقال ذرة من الإيمان"ولا ينتقي الإيمان من القلب بالسكوت عن النطق.
والجواب: أن الغزالي منع من هذا الإجماع فِي الصورتين، وحكم بكونهما مؤمنين، وأن الامتناع عن النطق يجري مجرى المعاصي التي يؤتى بها مع الإيمان. انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 2 صـ 22 - 27}
فصل
قال الفخر:
قيل: {الغيب} مصدر أقيم مقام اسم الفاعل، كالصوم بمعنى الصائم، والزور بمعنى الزائر، ثم فِي قوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بالغيب} قولان: الأول: وهو اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن قوله: {بالغيب} صفة المؤمنين معناه أنهم يؤمنون بالله حال الغيب كما يؤمنون به حال الحضور، لا كالمنافقين الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا: إنا معكم إنما نحن مستهزءون.