ولما لم يتأت هذا المعنى فِي قوله تعالى: {هذا كتابنا أنزلناه} [الأنعام: 2 9] لأنه إشارة إلى ما عنده سبحانه لم يأتِ بذلك مع بعد الدرجة وهذا الذكر حروف التهجي فِي الأول وهي تقطع بها الحروف وهو لا يكون إلا فِي حقنا وعدم ذكرها فِي الثاني فلذا اختلف المقامان وافترقت الإشارتان كما قاله السهيلي ، وهو عند قوم تحقيق ويرشدك إلى ما فيه عندي نظر دقيق وأبعد بعضهم فوجه البعد بأن القرآن لفظ وهو من قبيل الأعراض السيالة الغير القارة فكل ما وجد منه اضمحل وتلاشى وصار منقضياً غائباً عن الحس وما هو كذلك فِي حكم البعيد ، وقيل لأن صيغة البعيد والقريب قد يتعاقبان كقوله تعالى فِي قصة عيسى عليه السلام: {ذلك نَتْلُوهُ عَلَيْكَ} [آل عمران: 8 5] ثم قال تعالى: {إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق} [آل عمران: 26] وله نظائر فِي الكتاب الكريم ونقله الجرجاني عن طائفة وأنشدوا:
أقول له والرمح يأطر متنه...
تأمل خفافاً إني أنا ذلكا