فنسخت هذه الآية. قال مقاتل ليس في آل عمران من المنسوخ إلا هذه الآية. كذا في معالم
التنزيل والمص لم يرض بالنسخ بل نبه عَلَى أن مآل الْآيَتَيْن واحد فبين كلامه هنا وكلامه
في تلك الآية. نوع تنافر، إلا أن يقال أَشَارَ إلَى ما قاله بعض الْمُفَسّرينَ هنا، وأما في سورة آل
عمران فنبه عَلَى ما هُوَ الْمُخْتَار عنده.
قوله: (وقد فسر قوله تَعَالَى:(هُدًى للْمُتَّقينَ) هَاهُنَا عَلَى الأوجه الثلاثة)
واعلم أن الهداية عَلَى مَعْنَيَيْن الدلالة المطلقة والدلالة الموصلة كما ذكرهما المصنف والتَّقْوَى
على ثلاثة مراتب توقي الشرك وتجنب الكبائر من المعاصي واجتناب ما عاق عن الحق
فالاحتمالات ستة في بعضها الهداية حَقيقَة وفي بعضها مجاز وكذا الاتقاء حَقيقَة في بعضها
ومجاز في بعضها فإن أريد بالهداية الدلالة فالمتقين مجاز أولي بأي معنى كان أو الهداية
مجاز في معنى الدوام والثبات وإن أريد بالمتقين الْمَوْصُوفون بالمرتبة الأولى والهداية
بالنظر إلَى المرتبة الثانية أو الثالثة فكلاهما حَقيقَة وإن أريد بالهداية الدلالة الموصلة مَجَازًا
لأن الْكتَاب سبب للإيصال [بالمتقين] أَيْضًا مجاز أولي بأي معنى كان أو الهداية مجاز في
معنى الدوام والثبات وإن أريد بالمتقين الْمَوْصُوفون بالمرتبة الأولى أو الثانية والهداية بالنظر
إلى المرتبة الثانية أو الثالثة فكلاهما حَقيقَة وإن أريد لهم الْمَوْصُوفون بالمرتبة الثالثة لا جرم
أن الهداية مجاز في الثبات أو الْمُرَاد المراتب المرتبة عليها وقد مَرَّ مزيد التوضيح في سورة
الفاتحه ومذاق المصنف الْمَجَاز الأولى كما لوح إليه في آخر كلامه ولا إشَارَة في كلامه [إلا]
أن هذا التَّفْسير غير مرضي عنده؛ إذ أشار إليه أَيْضًا في تفسير قَوْلُه تَعَالَى(الَّذينَ يُؤْمنُونَ
بالْغَيْب)الآية. ولم ينبه عَلَى جواز أن يفسر بما يعمها؛ إذ لا طائل تحته إذ
المرتبة الثالثة جامعة للمرتبتين والثانية مشتملة عَلَى المرتبة الأولى مع أن اعتبار الهداية
بالنظر إلَى ما يعمها في غاية المتكلف.
قوله: (واعلم أن الآية. تحتمل أوجها من الإعراب أن يكون(الم) مبتدأ
على أنه اسم الْقُرْآن أو السُّورَة) اسْتئْنَاف بمنزلة فصل الخطاب في كل هذا المقام خطاب
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * *
قوله: وقد فسر قَوْلُه تَعَالَى: (هُدًى للْمُتَّقينَ) عَلَى الأوجه الثلاثة فمعناه عَلَى
الأول ذلك الْكتَاب هدى للَّذينَ يتقون عن الشرك بشهادة أن لَا إلَهَ إلَّا الله وعلى الثاني للَّذينَ يتقون
عن جميع الآثام وعلى الثالث للَّذينَ يتقون سرائرهم عن كل ما يشغلها عن الحق ويتوجهون
بكليتهم نحوه منقطعين عَمَّا سواه. . قال الرَّاغب: التَّقْوَى هُوَ جعل النفس في وقاية مما يخاف هذا
حقيقته ثم يسمي نارة الخوف تقوى والتَّقْوَى خوف وفي التعارف حفظ النفس عن كل ما يؤثم ولها
منازل الأول ترك المحظور ولا يتم ذلك إلا بترك المباح كما جاء من رتع حول الحمى يوشك أن
يقع فيه. وقيل من لم يجعل بينه وبين محارم الله تَعَالَى سترا من الحلال فحقيق أن يقع فيها والثاني
أن يتعاطى الخير مع تجنب الشر وإياه عني بقوله (وسيق الدين اتقوا ربهم إلَى الجنة زمرا)
والثاني التبري من كل شيء سوى الله تَعَالَى وهو الْمَعْنَى بقوله:(اتَّقُوا اللَّهَ حق
تقاته)وهذه المنازل مترتبة بعضها فوق بعض.