والمعنى: هذا كتاب جليل الشأن، عظيم القدر، أنزلناه إليك يا محمد، لكي تخرج الناس من ظلمات الكفر والجهالة والضلال، إلى نور الإيمان والعلم والهداية، وهذا الإخراج إنما هو بإذن ربهم ومشيئته وإرادته وأمره.
وقوله إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ بدل من قوله إِلَى النُّورِ.
أي لتخرج الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى طريق الله الْعَزِيزِ أي: الذي يغلب ولا يغلب الْحَمِيدِ أي: المحمود بكل لسان.
وأسند - سبحانه - الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التي تنقل الناس من الكفر إلى الإيمان، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات - كما يقول الإمام الرازي - ، لأنه نهاية ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية، وشبه الإيمان بالنور، لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته».
وفي جمع «الظلمات» وإفراد «النور» إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة، وأما الإيمان
فطريق واحد.
وقوله - سبحانه -: بِإِذْنِ رَبِّهِمْ احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة - الله - تعالى - ومشيئته، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط، أما الهداية فمن الله وحده.
ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر قدرته فقال: اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ....
أي: الله - تعالى - وحده هو الذي له ما في السماوات وما في الأرض ملكا وملكا وخلقا لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع.
ولفظ الجلالة قرأه الجمهور بالجر على أنه بدل أو عطف بيان من العزيز الحميد.
وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هو الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض.
وجملة «وويل للكافرين من عذاب شديد» تهديد ووعيد لمن كفر بالحق وأعرض عنه.
ولفظ «ويل» مصدر لا يعرف له فعل من لفظه مثل «ويح» وجاء مرفوعا للدلالة على الثبات والدوام، ومعناه الهلاك أو الفضيحة أو الحسرة، أي: الله - تعالى - هو الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وويل للكافرين بما أنزلناه إليك - أيها الرسول الكريم - من عذاب شديد سينزل بهم، فيجعلهم يستغيثون دون أن يجدوا من يغيثهم.