وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: {الله} - بالرفع - على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الله المتصف بملك ما في السماوات وما في الأرض. وقرأ باقي العشرة والأصمعي عن نافع: {الله} - بالجرّ - على أنه بدل في قول ابن عطية والحوفي وأبي البقاء وعلى أنّه عطف بيان على قول الزمخشري؛ لكونه من الأعلام الغالبة كالنجم على الثريا؛ لغلبته واختصاصه بالمعبود الذي يحق له العبادة، فلا يصح وصف ما قبله به؛ لأن العلم لا يوصف به. وقيل: يجوز إن يوصف به من حيث المعنى. وقال أبو عمرو: إن قراءة الجر محمولة على التقديم والتأخير، والتقديم: إلى صراط الله العزيز الحميد، وكان يعقوب إذا وقف على الحميد رفع، وإذا وصل خفض. قال ابن الأنباري: من خفض وقف على {وَمَا فِي الْأَرْضِ} .
ثم توعد سبحانه الذين جحدوا آياته وكفروا بوحدانيته، فقال: {وَوَيْلٌ} الويل: الهلاك والدمار، وهو مبتدأ خبره {لِلْكَافِرِينَ} بالكتاب، وأصله: النصب كسائر المصادر إلا أنه لم يشتق منه فعل، لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه، فيقال: ويل لهم كسلام عليكم {مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} {مِنْ} : لبيان الجنس صفة لـ {وَوَيْلٌ} ، أو حال من ضميره في الخبر، أو ابتدائية متعلقة بالويل على معنى: إنهم يولون ويصيحون ويضجون من العذاب الشديد الذي صاروا إليه، ويقولون: يا ويلاه كقوله تعالى: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا} .
والمعنى: أي وهلاك ودمار بشديد العذاب يوم القيامة لمن كفر بك ولم يستجب دعوتك بإخلاص التوحيد لخالق السماوات والأرض، وترك عبادة من لا ليملك لنفسه شيئًا، بل هو مملوك له تعالى؛ لأنه بعض ما في السماوات ثم وصف سبحانه أولئك الكافرين بصفات ثلاث:
1 - {الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} الموصول في محل الجر بدل من {الكافرين} أو صفة له، والاستحباب: استفعال من المحبة؛ أي: وويل وهلاك بعذاب شديد كائن للكافرين الذين يختارون الحياة الدنيا ويوثرونها على الحياة الآخرة الأبدية، فإن المؤثر للشيء على غيره، كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها وأفضل عندها من غيره.