وأما قوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} فهو من محاسن القرآن الكريم، لأنه من تلطف الخطاب وحسن الإرشاد، فإنك إذا قلت لغيرك أنت كافر فآمن، ربما أدركته الأنفة فاشتد إعراضه عن الحق، فإذا قلت له: أحدنا كافر ينبغي أن يسعى في خلاص نفسه من عذاب الله تعالى، فهلم بنا نبحث عن الكافر منا فنخلصه، فإن ذلك أوفر لداعيته في الرجوع إلى الحق والفحص عن الصواب، فإذا نظر فوجد نفسه هو الكافر فر من الكفر من غير منافرة منك عنده، ويفرح بالسلامة، ويسر منك بالنصيحة، هكذا هذه الآية سهلت الخطاب على الكفار ليكون ذلك أقرب لهدايتهم، ومنه قول صاحب فرعون المؤمن لموسى عليه السلام: {يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا} إلى قوله: {وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} فخصهم أولا بالملك والظهور لتنبسط نفوسهم مع علمه بأنه وبال عليهم، وسبب طغيانهم، ولم يجزم في ظاهر اللفظ بصدق موسى عليه السلام مع قطعه بصدقه، بل جعله معلقا على شرط، لئلا ينفرهم فيحتجبوا عن الصواب، فكل من صح قصده في هداية الخلق سلك معهم ما هو أقرب لهدايتهم، وكذلك قوله تعالى لموسى وهارون في حق فرعون: {فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} وقوله لمحمد صلوات الله عليهم أجمعين: {وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} .وقوله: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فهذا كله من محاسن الخطاب لا من موجبات الشك والارتياب.